﴿هو سماكم المسلمين﴾ أي : الله، بدليل قراءة أُبي :" الله سماكم " أو إبراهيم لقوله :﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البَقَرَة : ١٢٨] ﴿من قبلُ﴾ أي : سماكم من قبل ظهورهم في الكتب السالفة، ﴿وفي هذا﴾ أي : القرآن، فقد فضلكم على سائر الأمم، وسماكم بهذا الاسم الأكرم، ﴿ليكون الرسولُ شهيدًا عليكم﴾ أنه قد بلغكم رسالة ربكم، ﴿وتكونوا شهداء على الناس﴾ بتبليغ الرسل رسالات الله إليهم. وإذا خصكم بهذه الكرامة والأثرة ﴿فأقيموا الصلاة﴾ بواجباتها، ﴿وآتوا الزكاة﴾ لشرائطها، ﴿واعتصموا بالله﴾ أي ثقوا به وتوكلوا عليه، لا بالصلاة والزكاة. أو : ثقوا به في جميع أموركم، ولا تطلبوا الإعانة والنصر إلا منه. ﴿هو مولاكم﴾ : مالككم وناصركم ومتولي أموركم، ﴿فنعم المولى﴾ ؛ حيث لم يمنعكم رزقكم بعصيانكم، ﴿ونعمَ النصير﴾ أي : الناصر ؛ حيث أعانكم على طاعتكم ومجاهدة نفوسكم وأعدائكم.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٣٦
الإشارة : يا أيها الذين آمنوا تقربوا إليَّ بأنواع الطاعات وبالمسارعة إلى الخيرات، لعلكم تفوزون بمعرفة أسرار الذات وأنوار الصفات، وجاهدوا نفوسكم بأنواع المجاهدات، كي أجتبِيكم وأنزهكم في أسرار ذاتي، فإني قد اجتبيتكم قبل كونكم في أزل أزلي. وكأنه يشير إلى قوله :" لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به... " الحديث.
والمأمورُ به من التقرب والمجاهدة قدر الاستطاعة، من غير تشديد ولا تعقيد، لقوله :﴿وما جعل عليكم في الدين من حَرج﴾ ؛ لأن مبني الشرع الكريم على السهولة، فالذي يتوصل إلى رضوانه أو صريح معرفته، لا يشترط أن يستغرق كنه إمكان العبد فيه. " لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبدًا، ولكن إذا أراد أن يُوصلك إليه غطى وصفك بوصفه، ونَعْتَكَ بنعته، فوصلك بما منه إليك، لا بما منك إليه ". كما في الحِكَم.


الصفحة التالية
Icon