" صفحة رقم ٢١١ "
و ) حتَّى ( غاية لفعل ) أذنت ( لأنّه لما وقع في حيز الاستفهام الإنكاري كان في حكم المنفي فالمعنى : لا مقتضيَ للإذن لهم إلى أن يتبيّن الصادق من الكاذب.
وفي زيادة ) لك ( بعد قوله :( يتبين ( زيادة ملاطفة بأنّ العتاب ما كان إلاّ عن تفريط في شيء يعود نفعه إليه، والمراد بالذين صدقوا : الصادقون في إيمانهم، وبالكافرين الكاذبين فيما أظهروه من الإيمان، وهم المنافقون. فالمراد بالذين صدقوا المؤمنون.
٤٤ ) ) لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ).
هذه الجملة واقعة موقع البيان لجملة ) حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ( ( التوبة : ٤٣ ). وموقع التعليل لجملة ) لم أذنت لهم ( ( التوبة : ٤٣ ) أو هي استئناف بياني لما تثيره جملة ) حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ( ( التوبة : ٤٣ ) والاعتبارات متقاربة ومآلها واحد.
والمعنى : إنّ شأن المؤمنين الذين استنفروا أن لا يستأذنوا النبي ( ﷺ ) في التخلّف عن الجهاد، فأمّا أهل الأعذار : كالعُمي، فهم لا يستنفرهم النبي ( ﷺ ) وأمّا الذين تخلّفوا من المؤمنين فقد تخلّفوا ولم يستأذنوا في التخلّف، لأنّهم كانوا على نية اللحاق بالجيش بعد خروجه.
والاستئذان : طلب الإذن، أي في إباحة عمل وترك ضدّه، لأنّ شأن الإباحة أن تقتضي التخيير بين أحد أمرين متضادّين.
والاستئذان يُعدّى ب ( في ). فقوله :( أن يجاهدوا ( في محلّ جرّ ب ( في ) المحذوفة، وحذف الجارّ مع ) أنْ ( مطّرد شائع.
ولمّا كان الاستئذان يستلزم شيئين متضادّين، كما قلنا، جازَ أن يقال : استأذنتُ في كذا واستأذنت في ترك كذا. وإنّما يُذكر غالباً مع فعل الاستئذان الأمر الذي يَرغَب المستأذنُ الإذنَ فيه دون ضدّه وإن كان ذكر كليهما صحيحاً.