" صفحة رقم ٣٠٣ "
وقيل الواو عطفتْ فعلاً مقدّراً يدل عليه فعل ( أمرت ). والتقدير : وأوحي إلي، وتكون ( أنْ ) مفسرة للفعل المقدر، لأنه فيه معنى القول دون حروفه.
وعندي : أن أسلوب نظم الآية على هذا الوجه لم يقع إلا لمقتضًى بلاغي، فلا بد من أن يكون لصيغة ) أقم وجهك ( خصوصية في هذا المقام، فلنُعرض عمّا وقع في ( الكشاف ) وعن جعل الآية مثالاً لما سوغه سيبويه ولنجعل الواو متوسعاً في استعمالها بأن استعملت نائبة مَناب الفعل الذي عَطفت عليه، أي فعلَ ) أمرت ( ( يونس : ١٠٤ ) دون قصد تشريكها لمعطوفها مع المعطوف عليه بل استعملت لمجرد تكريره. والتقديرُ : أمرت أنْ أقم وجهك فتكون ( أن ) تفسيراً لما في الواو من تقدير لفظ فعل ( أمرْت ) لقصد حكاية اللفظ الذي أمره الله به بلفظه، وليتأتّى عطف ) ولا تكونن من المشركين ( عليه. وهذا من عطف الجمل لا من عطف المفردات، وقد سبق مثل هذا عند قوله تعالى :( وأن احكم بينهم بما أنزل الله في سورة العقود ( ٤٩ )، وهو هنا أوْعب.
والإقامة : جعل الشيء قائماً. وهي هنا مستعارة لإفراد الوجه بالتوجه إلى شيء معين لا يترك وجهه ينثني إلى شيء آخر. واللام للعلة، أي لأجل الدين، فيصير المعنى : محّض وجهك للدين لا تجعل لغير الدين شريكاً في توجهك. وهذه التمثيلية كناية عن توجيه نفسه بأسرها لأجل ما أمره الله به من التبليغ وإرشاد الأمة وإصلاحها. وقريب منه قوله : أسلمت وجهي لله في سورة آل عمران ( ٢٠ ).
وحنيفاً ( حال من ) الدين ( وهو دين التوحيد، لأنه حنف أي مال عن الآلهة وتمحض لله. وقد تقدم عند قوله تعالى :( قل بل ملة إبراهيم حنيفاً في سورة البقرة ( ١٣٥ ).