" صفحة رقم ١٢١ "
الظاهر أن يكون المعطوف موالياً للمعطوف هو عليه، فيكون قوله ) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ( متصلاً بقوله :( ادفع بالتي هي أحسن السيئة ( ( المؤمنون : ٩٦ ) فلما أمر الله رسوله ( ﷺ ) أن يفوض جزاءهم إلى ربه أمره بالتعوذ من حيلولة الشياطين دون الدفع بالتي هي أحسن، أي التعوذ من تحريك الشيطان داعية الغضب والانتقام في نفس النبي ( ﷺ ) فيكون ) الشياطين ( مستعملاً في حقيقته. والمراد من همزات الشياطين : تصرفاتهم بتحريك القوى التي في نفس الإنسان ( أي في غير أمور التبليغ ) مثل تحريك القوة الغضبية كما تأول الغزالي في قول النبي ( ﷺ ) في الحديث ( ولكن الله أعانني عليه فأسْلم ). ويكون أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالتعوذ من همزات الشياطين مقتضياً تكفل الله تعالى بالاستجابة كما في قوله تعالى :( ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ( ( البقرة : ٢٨٦ )، أو يكون أمره بالتعوذ من همزات الشياطين مراداً به الاستمرار على السلامة منهم. قال في ( الشفاء ) : الأمة مجتمعة ( أي مجمعة ) على عصمة النبي ( ﷺ ) من الشيطان لا في جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس.
ويجوز أن تكون جملة ) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين ( عطفاً على جملة ) قل رب إما تريني ما يوعدون ( ( المؤمنون : ٩٣ ) بأن أمره الله بأن يلجأ إليه بطلب الوقاية من المشركين وأذاهم، فيكون المراد من الشياطين المشركين فإنهم شياطين الإنس كما قال تعالى :( وكذلك جعلنا لكل نبيء عدواً شياطين الإنس والجن ( ( الأنعام : ١١٢ ) ويكون هذا في معنى قوله :( قل أعوذ برب الناس ( إلى قوله ) الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ( ( الناس : ١ ٦ ) فيكون المراد : أعوذ بك من همزات القوم الظالمين أو من همزات الشياطين منهم.
والهمز حقيقته : الضغط باليد والطعن بالإصبع ونحوه، ويستعمل مجازاً بمعنى الأذى بالقول أو بالإشارة، ومنه قوله تعالى :( هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بنميم ( ( القلم : ١١ ) وقوله :( ويل لكل هُمزة لمزة ( ( الهمزة : ١ ).


الصفحة التالية
Icon