" صفحة رقم ٢٩٣ "
أرانا الهدى بعد العَمَى فقلوبنا
به موقنات أن ما قال واقع
ثم شبه الكفر بالظلمات في أنه يجعل الذي أحاط هو به غير متبيّن للأشياء، فإن من خصائص الظلمة إخفاء الأشياء، والكافر خفيت عنه الحقائق الاعتقادية، وكلما بينها له القرآن لم ينتقل إلى أجلى، كما لو وصفت الطريق للسائر في الظلام.
وجي في ) الظلمات ( بلفظ الجمع لأنه الغالب في الاستعمال فهم لا يذكرون الظلمة إلا بصيغة الجمع. وقد تقدم في قوله :( وجعل الظلمات والنور في الأنعام.
وضُرِب الظِلّ مَثَلاً لأثر الإِيمان، وضدُّه وهو الحرور مثلاً لأثر الكفر ؛ فالظل مكان نعيم في عرف السامعين الأولين، وهم العرب أهل البلاد الحارة التي تتطلب الظل للنعيم غالباً إلا في بعض فصل الشتاء، وقوبل بالحَرور لأنه مُؤْلِم ومعذّب في عرفهم كما علمت، وفي مقابلته بالحرور إيذان بأن المراد تشبيهه بالظل في حالة استطابته.
والحرور ( حر الشمس، ويطلق أيضاً على الريح الحارة وهي السموم، أو الحَرور : الريح الحارة التي تهب بليل والسموم تهب بالنهار.
وقدم في هذه الفقرة ما هو من حال المؤمنين على عكس الفقرات الثلاث التي قبلها لأجل الرعاية على الفاصلة بكلمة ) الحرور ). وفواصل القرآن من متممات فصاحته، فلها حظ من الإِعجاز.
فحال المؤمن يشبه حال الظل تطمئن فيه المشاعر، وتصدر فيه الأعمال عن تبصر وتريّث وإتقان. وحال الكافر يشبه الحَرور تضطرب فيه النفوس ولا تتمكن معه العقول من التأمل والتبصر وتصدر فيها الآراء والمساعي معجَّلة متفككة.
وأعلم أن تركيب الآية عجيب فقد احتوت على واوات عطْف وأدوات نفي ؛ فكلّ من الواوين اللذين في قوله :( ولا الظلمات ( الخ، وقوله :( الظل ( الخ عاطف جملة على جملة وعاطف تشبيهات ثلاثة بل تشبيه منها يجمع الفريقين. والتقدير : ولا تستوي الظلمات والنور ولا يستوي الظِّل والحرور، وقد صرح بالمقدر أخيراً في قوله :( وما يستوي الأحياء ولا الأموات ).