" صفحة رقم ٣٠٥ "
وجهها فليست علومهم بمقربة لهم من خشية الله، ذلك لأن العالم بالشريعة لا تلتبس عليه حقائق الأسماء الشرعية فهو يفهم مواقعها حق الفهم ويرعاها في مواقعها ويعلم عواقبها من خير أو شر، فهو يأتي ويدع من الأعمال ما فيه مراد الله ومقصدُ شرعه، فإنْ هو خالف ما دعت إليه الشريعة في بعض الأحوال أو في بعض الأوقات لداعي شهوة أو هوى أو تعجل نفع دنيوي كان في حال المخالفة موقناً أنه مورَّط فيما لا تحمد عقباه، فذلك الإِيقان لا يلبث أن ينصرف به عن الاسترسال في المخالفة بالإِقلاع أو الإِقلال.
وغير العالم إن اهتدى بالعلماء فسعيه مثل سعي العلماء وخشيته متولدة عن خشية العلماء. قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ( والعلم دليل على الخيرات وقائد إليها، وأقرب العلماء إلى الله أولاهم به وأكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة ).
وجملة ) إن الله عزيز غفور ( تكميل للدلالة على استغناء الله تعالى عن إيمان المشركين ولكنه يريد لهم الخير. ولما كان في هذا الوصف ضرب من الإِعراض عنهم مما قد يحدث يأساً في نفوس المقاربين منهم، أُلِّفَتْ قلوبهم بإتباع وصف ) عزيز (، بوصف ) غفور ( أي فهو يقبل التوبة منهم إن تابوا إلى ما دعاهم الله إليه على أن في صفة ) غفور ( حظاً عظيماً لأحد طرفي القصر وهم العلماء، أي غفور لهم.
( ٢٩، ٣٠ )
استئناف لبيان جملة ) إنما يخشى الله من عباده العلماء ( ( فاطر : ٢٨ ) الآية، فالذين يتلون كتاب الله هم المراد بالعلماء، وقد تخلّص إلى بيان فوز المؤمنين الذين اتَّبعوا الذكر وخشوا الرحمن بالغيب فإن حالهم مضادّ لحال الذين لم يسمعوا القرآن وكانوا عند تذكيرهم به كحال أهل القبور لا يسمعون شيئاً. فبعد أن أثنى عليهم ثناء إجمالياً بقوله تعالى :( إنما يخشى الله من عباده العلماء (، وأجمل حسن جزائهم بذكر


الصفحة التالية
Icon