" صفحة رقم ٣٨٢ "
العطش، قاله الزمخشري. وجعل المعنى : أن قسوة قلوبهم حصلت فيهم من أجل ذكر الله، ومعنى الابتداء في الآية الثانية، أي قست قلوبهم ابتداء من سماع ذكر الله. والمراد بذكر الله القرآن وإضافته إلى الله زيادة تشريف له. والمعنى : أنهم إذا تليت آية اشمأزّوا فتمكن الاشمئزاز منهم فقست قلوبهم.
وحاصل المعنى : أن كفرهم يحملهم على كراهية ما يسمعونه من الدعوة إلى الإِسلام بالقرآن فكلما سمعوه أعرضوا وعاندوا وتجددت كراهية الإِسلام في قلوبهم حتى ترسخ تلك الكراهية في قلوبهم فتصير قلوبهم قاسية.
فكان القرآن أن سبب اطمئنان قلوب المؤمنين قال تعالى : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر اللَّه ألا بذكر اللَّه تطمئن القلوب ( ( الرعد : ٢٨ ). وكان سبباً في قساوة قلوب الكافرين. وسبب ذلك اختلاف القابلية فإن السبب الواحد تختلف آثاره وأفعاله باختلاف القابلية، وإنما تعرف خصائص الأشياء باعتبار غالب آثارها في غالب المتأثرات، فذِكر الله سبب في لين القلوب وإشراقها إذا كانت القلوب سليمة من مرض العناد والمكابرة والكبر، فإذا حلّ فيها هذا المرض صارت إذا ذكر الله عندها أشد مرضاً مما كانت عليه.
وجملة ) أُولئِكَ في ضلاللٍ مُبينٍ ( مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما قبله من الحكم بأن قساوة قلوبهم من أجل أن يذكر الله عندهم يثير في نفس السامع أن يتساءل : كيف كان ذكر الله سبب قساوة قلوبهم ؟ فأفيد بأن سبب ذلك هو أنهم متمكنون من الضلالة منغمسون في حَمْأتها فكان ضلالهم أشدّ من أن يتقشع حين يسمعون ذكر الله.
وافتتاح هذه الجملة باسم الإِشارة عقب ما وصفوا به من قساوة القلوب لإِفادة أن ما سيذكر من حالهم بعد الإِشارة إليهم صاروا به أحرياء لأجل ما ذكر قبل اسم الإِشارة كما تقدم في قوله :( أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة (، فكان مضمون قوله :( أولئك في ضلاللٍ مبينٍ ( وهو الضلال الشديد علة لقسوة قلوبهم