" صفحة رقم ١٧١ "
الحيوان والصّيد، فكان القتل معروفاً لهما، ولهذا عزم عليه قابيل، فرأى هابيل للنّفوس حرمة ولو كانت ظالمة، ورأى في الاستسلام لطالب قتله إبقاء على حفظ النّفوس لإكمال مراد الله من تعمير الأرض. ويمكن أن يكونا تلقّيا من أبيهما الوصاية بحفظ النّفوس صغيرها وكبيرها ولو كان في وقت الدّفاع، ولذلك قال :( إنّي أخاف الله ربّ العالمين ). فقوله :( إنّي أخاف الله ( يدلّ على أنّ الدّفاع بما يفضي إلى القتل كان محرّماً وأنّ هذا شريعة منسوخة لأنّ الشّرائع تبيح للمُعتدَى عليه أن يدافع عن نفسه ولو بقتل المعْتدي، ولكنّه لا يتجاوز الحدّ الّذي يحصل به الدّفاع. وأمّا حديث ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار ) فذلك في القتال على المُلْك وقصد التغالب الّذي ينكفّ فيه المعتدي بتسليم الآخر له ؛ فأمر رسول الله ( ﷺ ) أصْلَح الفريقين بالتّسليم للآخر وحمل التَبِعَة عليه تجنّباً للفتنة، وهو الموقف الّذي وقفه عثمان رضي الله عنه رجاء الصلاح.
ومعنى ) أريد ( : أريد من إمساكي عن الدفاع. وأطلقت الإرادة على العزم كما في قوله تعالى :( قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتيّ هاتين ( ( القصص : ٢٧ )، وقوله :( يريد الله بكم اليسر ( ( البقرة : ١٨٥ ). فالجملة تعليل للّتي قبلها، ولذلك فصلت وافتتحت ب ( إنّ ) المشعرة بالتَّعليل بمعنى فاء التفريع.
و ) تبوء ( ترجع، وهو رجوع مجازي، أي تكتسب ذلك من فعلك، فكأنّه خرج يسعى لنفسه فباء بإثمين. والأظهر في معنى قوله ) بإثمي ( مَا له من الآثام الفارطة في عمره، أي أرجو أن يغفر لي وتُحمل ذنوبي عليك. وفي الحديث :( يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتّى ينتصف فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيّئات المظلوم فتطرح عليه ). رواه مسلم. فإن كان قد قال هذا عن علم من وحي فقد كان مثل ما شُرع في


الصفحة التالية
Icon