" صفحة رقم ١٨٢ "
الرّسول العرنيّين كان عقاباً على محاربة خاصّة هي من صريح البغض للإسلام. ثُمّ إنّ الله شرع حكماً للمحاربة الّتي تقع في زمن رسول الله وبعده، وسوّى عقوبتها، فتعيّن أن يصير تأويل ) يحاربون الله ورسوله ( المحاربة لجماعة المسلمين. وجعل لها جزاء عين جزاء الردّة، لأنّ الردّة لها جزاء آخر فعلمنا أنّ الجزاء لأجل المحاربة. ومن أجل ذلك اعتبره العلماء جزاء لمن يأتي هذه الجريمة من المسلمين، ولهذا لم يجعله الله جزاء للكفّار الّذين حاربوا الرّسول لأجل عناد الدّين، فلهذا المعنى عُدّي ) يحاربون ( إلى ) الله ورسوله ( ليظهر أنّهم لم يَقصدوا حربَ معيَّن من النّاس ولا حرب صَفّ.
وعُطف ) ويسعون في الأرض فساداً ( لبيان القصدِ من حربهم اللّهَ ورَسوله، فصار الجزتء على مجموع الأمرين، فمجمُوعُ الأمرين سَبَب مركّب للعقوبة، وكلّ واحد من الأمرين جزءُ سبب لا يقتضي هذه العقوبة بخصوصها.
وقد اختلف العلماء في حقيقة الحرابة ؛ فقال مالك : هي حمل السلاح على النّاس لأخذ أموالهم دون نائرة ولا دخَل ولا عداوة أي بين المحارب بالكسر وبين المحارَب بالفتح، سواء في البادية أو في المِصر، وقال به الشّافعي وأبو ثور. وقيل : لا يكون المحارب في المصر محارِباً، وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق. والّذي نظر إليه مالك هو عموم معنى لفظ الحرابة، والّذي نظر إليه مخالفوه هو الغالب في العرف لندرة الحرابة في المصر. وقد كانت نزلت بتونس قضية لصّ اسمه ( ونّاس ) أخاف أهل تونس بحيله في السرقة، وكان يحمل السّلاح فحكم عليه بحكم المحارب في مدة الأمير محمد الصادق باي وقتل شنقاً بباب سويقة.
ومعنى ) يسعون في الأرض فساداً ( أنّهم يكتسبون الفساد ويجتنونه ويجترحونه، لأنّ السعي قد استعمل بمعنى الاكتساب واللَّمّ، قال تعالى :( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ( ( الإسراء : ١٩ ). ويقولون : سعَى فلان لأهله، أي اكتسب لهم، وقال تعالى :( لتجزي كُلّ نفس بما تسعى ( ( طه : ١٥ ).


الصفحة التالية
Icon