" صفحة رقم ٢٥٣ "
إلى طلب طردهم هو احتقار في حسد ؛ والحسد يكون أعظم ما يكون إذا كان الحاسد يرى نفسه أولى بالنعمة المحسود عليها، فكان ذلك الداعي فتنة عظيمة في نفوس المشركين إذ جمعتْ كبراً وعُجباً وغروراً بما ليس فيهم إلى احتقار للأفاضل وحسد لهم، وظلم لأصحاب الحق، وإذ حالت بينهم وبين الإيمان والانتفاع بالقرب من مجلس الرسول ( ﷺ )
والتشبيه مقصود منه التعجيب من المشبّه بأنَّه بلغ الغاية في العجب.
واسم الإشارة عائد إلى الفتون المأخوذ من ( فتنّا ) كما يعود الضمير على المصدر في نحو ) اعدلوا هو أقرب للتقوى (، أي فتنّا بعضهم ببعض فتوناً يرغب السامع في تشبيهه وتمثيله لتقريب كنهه فإذا رام المتكلّم أن يقرّبه له بطريقة التشبيه لم يجد له شبيهاً في غرائبه وفظاعته إلاّ أن يشبّهه بنفسه إذ لا أعجب منه، على حدّ قولهم : والسفاعة كاسمها.
وليس ثمّة إشارة إلى شيء متقدّم مغاير للمشبّه. وجيء باسم إشارة البعيد للدلالة على عظم المشار إليه. وقد تقدّم تفصيل مثل هذا التشبيه عند قوله تعالى :( وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً في سورة البقرة ( ١٤٣ ).
والمراد بالبعض المنصوب المشركون فهم المفتونون، وبالبعض المجرور بالباء المؤمنون، أي فتنَّا عظماءَ المشركين في استمرار شركهم وشِرْك مقلِّديهم بحال الفقراء من المؤمنين الخالصين كما دلّ عليه قوله : لِيَقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ( ( الأنعام : ٥٣ ) فإنّ ذلك لا يقوله غير المشركين، وكما يؤيِّده قوله تعالى في تذييله ) أليس الله بأعلمَ بالشاكرين ).
والقول يحتمل أن يكون قولاً منهم في أنفسهم أو كلاماً قالوه في مَلئهم. وأيّاً ما كان فهم لا يقولونه إلاّ وقد اعتقدوا مضمونه، فالقائلون ) أهؤلاء مَنّ الله عليهم ( هم المشركون.
واللام في قوله :( ليقولوا ( لام التعليل، ومدخولها هو أثرُ العلّة دالّ عليها بعد طيِّها