" صفحة رقم ٢٧٨ "
) ويرسل ( عطف على ) القاهر (، فيعتبر المسند إليه مقدّماً على الخبر الفعلي، فيدلّ على التخصيص أيضاً بقرينة المقام، أي هو الذي يرسل عليكم حفظة دون غيره. والقصر هنا حقيقي، فلا يستدعي ردّ اعتقاد مُخالف. والمقصود الإعلام بهذا الخبر الحقّ ليحذر السامعون من ارتكاب المعاصي.
ومعنى ( على ) في قوله ) عليكم ( الاستعلاء المجازي، أي إرسال قهر وإلزام، كقوله :( بعثنا عليكم عباداً لنا ( ( الإسراء : ٥ )، لأنّ سياق الكلام خطاب للمشركين كما علمتَ، ومثله قوله تعالى :( كلاّ بل تكذّبون بالدِّين وإنّ عليكم لحافظين ( ( الإنفطار : ٩، ١٠ ).
و ) عليكم ( متعلِّق بِ ) يرسل ( فعلم، أنّ المراد بحفظ الحفظة الإحصاء والضبط من قولهم : حفظتُ عليه فعله كذا. وهو ضدّ نسيَ. ومنه قوله تعالى :( وعندنا كتاب حفيظ ( ( ق : ٤ ). وليس هو من حفظ الرعاية والتعهّد مثل قوله تعالى :( حافظات للغيب بما حفظ الله ( ( النساء : ٣٤ ).
فالحفظة ملائكة وظيفتهم إحصاء أعمال العباد من خير وشرّ. وورد في الحديث الصحيح :( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) الحديث.
وقوله :( إذا جاء أحدَكم الموت ( غاية لما دلّ عليه اسم الحفظة من معنى الإحصاء، أي فينتهي الإحصاء بالموت، فإذا جاء الوقت الذي ينتهي إليه أجل الحياة توفَّاه الملائكة المرسلون لقبض الأرواح.
فقوله :( رسلُنا ( في قوّة النكرة لأنّ المضاف مشتقّ فهو بمعنى اسم المفعول فلا تفيده الإضافة تعريفاً، ولذلك فالمراد من الرسل التي تتوفَّى رسلٌ غيرُ الحفظة المرسلين على العباد، بناء على الغالب في مجيء نكرة عقب نكرة أنّ الثانية غيرُ الأولى. وظاهر قوله :( توفّته رُسُلنا ( أنّ عدداً من الملائكة يتولّى توفّي الواحد من الناس.