" صفحة رقم ٣٠٥ "
وقوله : وأن أقيموا الصلاة ( إنْ جُعلت ( أنْ ) فيه مصدرية على قول سيبويه، إذ يسوّغ دخول ( أنْ ) المصدرية على فِعل الأمر فتفيد الأمر والمصدرية معاً لأنّ صيغة الأمر لم يؤت بها عبثاً، فقول المعربين : إنَّه يتجرّد عن الأمرية، مرادهم به أنَّه تجرّد عن معنى فعل الأمر إلى معنى المصدرية فهو من عطف المفردات. وهو إمّا عطف على ) لنسلم ( بتقدير حرف جرّ محذوف قبل ( أنْ ) وهو الباء. وتقدير الحرف المحذوف يدلّ عليه معنى الكلام، وإمّا عطف على معنى ) لنسلم ( لأنَّه وقع في موقع بأن نسلم، كما تقدّم عن الزجّاج. فالتقدير : أمرنا بأن نسلم، ثم عطف عليه ) وأن أقيموا ( أي وأمرنا بأن أقيموا، والعطف على معنى اللفظ وموقِعه استعمال عربي، كقوله تعالى :( لولا أخَّرْتَنِي إلى أجل قريب فأصّدّقَ وأكُنْ ( ( المنافقون : ١٠ ) إذ المعنى إنْ تُؤخّرني أصّدّقْ وأكُنْ.
وإن جُعلت ( أنْ ) فيه تفسيرية فهو من عطف الجمل. فيقدّر قوله :( أمرنا لنسلم ( بأمِرْنا أن أسلموا لنُسلم ) وأن أقيموا الصلاة (، أي لنقيم فيكون في الكلام احتباك.
وأظهر من هذا أن تكون ( أنْ ) تفسيرية. وهي تفسير لما دلَّت عليه واوُ العطف من تقدير العامل المعطوف عليه، وهو ) وأمرنا (، فإنّ ) أمرنا ( فيه معنى القول دون حروفه فناسب موقع ( أنْ ) التفسيرية.
وتقدّم معنى إقامة الصلاة في صدر سورة البقرة ( ٣ ).
و ) اتَّقوه ( عطف على ) أقيموا ( ويجري فيه ما قُرّر في قوله ) وأن أقيموا ). والضمير المنصوب عائد إلى ) ربّ العالمين ( وهو من الكلام الذي أمروا بمقتضاه بأن قال الله للمؤمنين : أسلموا لربّ العالمين وأقيموا الصلاة واتَّقُوه. ويجوز أن يكون محكياً بالمعنى بأن قال الله : اتَّقون، فحُكي بما يوافق كلام النبي المأمور بأن يقوله بقوله تعالى :( قل إنّ هدى الله هو الهدى (، كما في حكاية قول عيسى :( ما قلتُ لهم إلاّ مَا أمَرتني به أن اعبدوا الله ربِّي وربّكم ( ( المائدة : ١١٧ ).