" صفحة رقم ٣٢٣ "
والأظهر أنّ ( ما ) في قوله ) ما تشركون ( موصولة وأنّ العائد محذوف لأجل الفاصلة، أي ما تشركون به، كما سيأتي في قوله :( ولا أخاف ما تشركون به ( ( الأنعام : ٨٠ ) لأنّ الغالب في فعل البراءة أن يتعلَّق بالذوات، ولئلاّ يتكرّر مع قوله بعده ) وما أنا من المشركين ). ويجوز أن تكون ( ما ) مصدرية، أي من إشراككم، أي لا أتقلَّده.
وتسميته عبادتهم الأصنام إشراكاً لأنّ قومه كانوا يعترفون بالله ويشركون معه في الإلهية غيره كما كان إشراك العرب وهو ظاهر أي القرآن حيث ورد فيها الاحتجاج عليهم بخالق السماوات والأرض، وهو المناسب لضرب المثل لمشركي العرب بشأن إبراهيم وقومه، ولقوله الآتي ) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ( ( الأنعام : ٨٢ ).
وجملة ) إنّي وجَّهْت وَجْهِي ( بمنزلة بدل الاشتمال من جملة ) إنِّي بريء ممّا تشركون (، لأنّ البراءة من الإشراك تشتمل على توجيه الوجه إلى الله، وهو إفراده بالعبادة. والوجه في قوله :( وجهي ). و ) وجّهت ( مشتقّ من الجهة والوجهة، أي صرفته إلى جهة، أي جعلت كذا جهة له يقصدها. يقال : وجَّهه فتوجّه إلى كذا إذا ذهب إليه. ويقال للمكان المقصود وجهة بكسر الواو، وكأنَّهم صاغوه على زنة الهيئة من الوَجه لأنّ القاصد إلى مكان يقصده من نحو وجهه، وفعلوه على زنة الفعلة بكسر الفاء لأنّ قاصد المكان بوجهه تَحْصُل هيئة في وجهه وهي هيئة العزم وتحديقُ النظر. فمعنى ) وجَّهت وجهي ( صرفتُه وأدرته. وهذا تمثيل : شبّهت حالة إعراضه عن الأصنام وقصده إلى إفراد الله تعالى بالعبادة بمن استقبل بوجهه شيئاً وقصده وانصرف عن غيره.
وأتي بالموصول في قوله :( للذي فطر السماوات والأرض ( ليومىء إلى علّة توجّهه إلى عبادته، لأنّ الكواكب من موجودات السماء، والأصنامَ من موجودات الأرض فهي مفطورة لله تعالى.
وفعل ( وجَّه ) يتعدّى إلى المكان المقصود بإلى، وقد يتعدّى باللام إذا أريد أنَّه انصرف لأجل ذلك الشيء، فيحسن ذلك إذا كان الشيء المقصود مراعى إرضاؤه


الصفحة التالية
Icon