" صفحة رقم ٣٢٥ "
فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالاً في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من الله تعالى، فيكون قوله :( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ( ( الأنعام : ٧٥ ) معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نُوحي إليه، ويكون قوله :( رأى كوكباً ( بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل، ويكون قوله :( قال هذا ربِّي ( قولاً في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكِّر في نفسه، وهو حديث النفس، كقول النابغة في كلب صيد :
قالتْ له النفس إنِّي لا أرى طمعاً
وإنّ مولاك لم يسلَمْ ولم يَصد
وقول العَجّاج في ثور وحشي :
ثم انثنى وقال في التفكير
إنّ الحياة اليوم في الكُرور
وقوله :( هذا ربِّي ( وقوله :( لا أحبّ الآفلين، ( وقوله :( لئِن لم يهدني ربِّي ( كلّ ذلك مستعمل في حقائقه من الإعتقاد الحقيقي. وقوله :( قال يا قوم ( هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحقّ له فأعلن بمخالفته قومه حينئذٍ.
٨٠ ) ) وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّو
نِّى فِى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِى وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْئاً وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ).
لمّا أعلن إبراهيم عليه السلام معتَقَده لقومه أخذوا في محاجّته، فجملة ) وحاجَّة ( عطف على جملة ) إنِّي وجَّهْتُ وجهِي للذي فطر السماوات والأرض ( ( الأنعام : ٧٩ ). وعطفت الجملة بالواو دون الفاء لتكون مستقلَّة بالإخبار بمضمونها مع أنّ تفرّع مضمونها على ما قبلها معلوم من سياق الكلام.


الصفحة التالية
Icon