" صفحة رقم ٣٣٢ "
جواباً منه عن قوله :( فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن ( ( الأنعام : ٨١ ). تولّى جوابَ استفهامه بنفسه ولم ينتظر جوابهم لكون الجواب ممَّا لا يسع المسؤول إلاّ أن يجيب بمثله، وهو تبكيت لهم. قال ابن عبَّاس : كما يسأل العالم ويُجيبُ نفسه بنفسه، أي بقوله :( فإن قلتَ قلتُ ). وقد تقدّمت نظائره في هذه السورة.
وقيل : ليس ذلك من حكاية كلام إبراهيم، وقد انتهى قول إبراهيم عند قوله ) إن كنتم تعلمون ( ( الأنعام : ٨١ ) بل هو كلام مستأنف من الله تعالى لابتداء حكم، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تصديقاً لقول إبراهيم.
وقيل : هو حكاية لكلام صدر من قوم إبراهيم جواباً عن سؤال إبراهيم ) فأيّ الفريقين أحقّ بالأمن ( ( الأنعام : ٨١ ). ولا يصحّ لأنّ الشأن في ذلك أن يقال : قال الذين آمنوا الخ، ولأنَّه لو كان من قول قومه لما استمرّ بهم الضلال والمكابرة إلى حدّ أن ألقَوا إبراهيم في النّار.
وحذف متعلّق فعل ) آمنوا ( لظهوره من الكلام السابق. والتقدير : الذين آمنوا بالله.
وحقيقة ) يلبسوا ( يخلطوا، وهو هنا مجاز في العمل بشيئين متشابهين في وقت واحد. شبّه بخلط الأجسام كما في قوله :( ولا تلبسوا الحقّ بالباطل ( ( البقرة : ٤٢ ).
والظّلم : الاعتداء على حقّ صاحب حقّ، والمراد به هنا إشراك غير الله مع الله في اعتقاد الإلهية وفي العبادة، قال تعالى :( إنّ الشِّرك لظلم عظيم ( ( لقمان : ١٣ ) لأنَّه أكبر الاعتداء، إذ هو اعتداء على المستحقّ المطلق العظيم، لأنّ من حقّه أن يفرد بالعبادة اعتقاداً وعملاً وقولاً لأنّ ذلك حقّه على مخلوقاته. ففي الحديث ( حقّ العباد على الله أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئاً ). وقد ورد تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك. في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود ( لمّا نزلت ) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ( شَقّ ذلك على المسلمين وقالوا : أيّنا لم يظلم نفسه. فقال لهم رسول الله ( ﷺ ) ( ليس كما تَظُنّون إنَّما هو كما قال لقمان لابنه :( إنّ الشرك لظلم عظيم ( ( لقمان : ١٣ ) اه. وذلك أنّ الشرك جمع بين


الصفحة التالية
Icon