" صفحة رقم ٣٧١ "
بمجيء الرّسول المقفّى على نبوءة أصحاب تلك الكتب، فمجيء القرآن قد أظهر صدق ما وعدت به تلك الكتب ودلّ على أنّها من عند الله.
وثانيهما : أنّ القرآن مصدّق أنبيائها وصدّقها وذكر نورها وهداها، وجاء بما جاءت به من أصول الدّين والشّريعة. ثم إنّ ما جاء به من الأحكام الّتي لم تكن ثابتة فيها لا يخالفها. وأمّا ما جاء به من الأحكام المخالفة للأحكام المذكورة فيها من فروع الشّريعة فذلك قد يبيّن فيه أنّه لأجل اختلاف المصالح، أو لأنّ الله أراد التّيسير بهذه الأمّة.
ومعنى :( بين يديه ( ما سبقه، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى :( فإنّه نزّله على قلبك بإذن الله مصدّقاً لما بين يديه في سورة البقرة ( ٩٧ )، وعند قوله : ومصّدقاً لما بين يديّ من التّوراة في سورة آل عمران ( ٥٠ ).
وأمّا جملة ولتنذر أمّ القرى ( فوجود واو العطف في أوّلها مانع من تعليق ) لتنذر ( بفعل ) أنزلناه (، ومِن جعْل المجرور خبراً عن ) كتاب ( خلافاً للتفتزاني، إذ الخبر إذا كان مجروراً لا يقترن بواو العطف ولا نظير لذاك في الاستعمال، فوجود لام التّعليل مع الواو مانع من جعلها خبراً آخر ل ) كتاب (، فلا محيص عند توجيه انتظامها مع ما قبلها من تقدير محذوف أو تأويل بعض ألفاظها، والوجه عندي أنّه معطوف على مقدّر ينبىء عنه السّياق. والتّقدير : ليُؤمن أهل الكتاب بتصديقه ولتنذر المشركين. ومثل هذا التّقدير يطّرد في نظائر هذه الآية بحسب ما يناسب أن يقدّر. وهذا من أفانين الاستعمال الفصيح. ونظيره قوله تعالى :( هذا بلاغ للنّاس ولِينْذروا به وليعلموا أنّما هو إله واحد وليذّكّر أولوا الألباب في سورة إبراهيم ( ٥٢ ).
ووقع في الكشاف ( أنّ ) ولتنذر ( معطوف على ما دلّت عليه صفة الكتاب، كأنّه قيل : أنزلناه للبركات وتصديققِ ما تقدّمَه والإنذارِ اه. وهذا وإن استتبّ في هذه الآية فهو لا يحسن في آية سورة إبراهيم، لأنّ لفظ ( بلاغ ) اسم ليس


الصفحة التالية
Icon