الخامسة : ترجم الإمام أبو عبدالله بن إسماعيل البخاري في صحيحه فقال :"باب قول الله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله :﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس : ٢٣]، ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾، وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر" ثم ذكر حديث عائشة في سحر لبيد بن الأعصم النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن بطال : فتأول رضي الله عنه من هذه الآيات ترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ؛ كما دل عليه حديث عائشة حيث قال عليه السلام :"أما الله فقد شفاني وأما أنا فأكره أن أثير على الناس شرا". ووجه ذلك - والله أعلم - أنه تأول في قول الله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ﴾ الندب بالإحسان إلى المسيء وترك معاقبته على إساءته. فإن قيل : كيف يصح هذا التأويل في آيات البغي. قيل : وجه ذلك - والله أعلم - أنه لما أعلم الله عباده بأن ضرر البغي ينصرف على الباغي بقوله :"إنما بغيكم على أنفسكم" وضمن تعالى نصرة من بغي عليه، كان الأولى بمن بغي عليه شكر الله على ما ضمن من نصره ومقابلة ذلك بالعفو عمن بغى عليه ؛ وكذلك فعل النبي ﷺ باليهودي الذي سحره، وقد كان له الانتقام منه بقوله :﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل : ١٢٦]. ولكن آثر الصفح أخذا بقوله :﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى : ٤٣].
السادسة :- تضمنت هذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. روي أن جماعة رفعت عاملها إلى أبي جعفر المنصور العباسي، فحاجها العامل وغلبها ؛ بأنهم لم يثبتوا عليه كبير ظلم ولا جوره في شيء ؛ فقام فتى من القوم فقال : يا أمير المؤمنين، إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإنه عدل ولم يحسن. قال : فعجب أبو جعفر من إصابته وعزل العامل.