ومعنى قوله :﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير القرابة والعشيرة ؛ قال النحاس : وهذا ينبني على معنى غامض في العربية ؛ وذلك أن معنى ﴿آخَرَ﴾ في العربية من جنس الأول ؛ تقول : مررت بكريم وكريم آخر ؛ فقوله ﴿آخَرَ﴾ يدل على أنه من جنس الأول ؛ ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر ؛ ولا مررت برجل وحمار آخر ؛ فوجب من هذا أن يكون معنى قوله :﴿أوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي عدلان ؛ والكفار لا يكونون عدولا فيصح على هذا قوله من قال ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من غير عشيرتكم من المسلمين. وهذا معنى حسن من جهة اللسان ؛ وقد يحتج به لمالك ومن قال بقوله ؛ لأن المعنى عندهم ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من غير قبيلتكم على أنه قد عورض هذا القول بأن في أول الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فخوطب الجماعة من المؤمنين.
السابعة- استدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم ؛ قال : ومعنى ﴿وْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي من غير أهل دينكم ؛ فدل على جواز شهادة بعضهم على بعض ؛ فيقال له : أنت لا تقول بمقتضى هذه الآية ؛ لأنها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين وأنت لا تقول بها فلا يصح احتجاجك بها. فإن قيل : هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين من طريق النطق ؛ ودلت على قبول شهادتهم على أهل الذمة من طريق التنبيه ؛ وذلك أنه إذا قبلت شهادتهم على المسلمين فلأن تقبل على أهله الذمة أولى ؛ ثم دل الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين ؛ فبقي شهادتهم على أهل الذمة على ما كان عليه ؛ وهذا ليس بشيء ؛ لأن قبول شهادة أهل الذمة على أهل الذمة فرع لقبول شهادتهم على المسلمين ؛ فإذا بطلت شهادتهم على المسلمين وهي الأصل فلأن تبطل شهادتهم على أهل الذمة وهي فرعها أحرى وأولى. والله أعلم.
الثامنة- قوله تعالى :﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي سافرتم ؛ وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ؛ ودفعتم إليهما ما معكم من المال ؛ ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما ؛