تُرْزَقَانِهِ} يعني لا يجيئكما غدا طعام من منزلكما ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ لتعلما أني أعلم تأويل رؤياكما، فقالا : افعل! فقال لهما : يجيئكما كذا وكذا، فكان على ما قال ؛ وكان هذا من علم الغيب خُص به يوسف. وبين أن الله خصه بهذا العلم لأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله، يعني دين الملك. ومعنى الكلام عندي : العلم بتأويل رؤياكما، والعلم بما يأتيكما من طعامكما والعلم بدين الله، فاسمعوا أولا ما يتعلق بالدين لتهتدوا، ولهذا لم يعبر لهما حتى دعاهما إلى الإسلام، فقال :﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ﴾ [يوسف : ٣٩] الآية كلها، على ما يأتي. وقيل : علم أن أحدهما مقتول فدعاهما إلى الإسلام ليسعدا به. وقيل : إن يوسف كره أن يعبر لهما ما سألاه لما علمه من المكروه على أحدهما فأعرض عن سؤالهما، وأخذ في غيره فقال :﴿لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ في النوم ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا﴾ بتفسيره في اليقظة، قاله السدي، فقالا له : هذا من فعل العرافين والكهنة، فقال لهما يوسف عليه السلام : ما أنا بكاهن، وإنما ذلك مما علمنيه ربي، إني لا أخبركما به تكهنا وتنجيما، بل هو بوحي من الله عز وجل. وقال ابن جريج : كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما معروفا فأرسل به إليه، فالمعنى : لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة، فعلى هذا ﴿تُرْزَقَانِهِ﴾ أي يجري عليكما من جهة الملك أو غيره. ويحتمل يرزقكما الله. قال الحسن : كان يخبرهما بما غاب، كعيسى عليه السلام. وقيل : إنما دعاهما بذلك إلى الإسلام ؛ وجعل المعجزة التي يستدلان بها إخبارهما بالغيوب.
قوله تعالى :﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ لأنهم أنبياء على الحق. ﴿مَا كَانَ لَنَا﴾ أي ما ينبغي لنا. ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ "من" للتأكيد، كقولك : ما جاءني من أحد. ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ إشارة إلى عصمته من الزنى. ﴿وَعَلَى النَّاسِ ﴾ أي على المؤمنين الذين عصمهم الله من الشرك. وقيل :﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ إذ جعلنا أنبياء، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ إذ جعلنا الرسل إليهم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ على نعمة التوحيد والإيمان.


الصفحة التالية
Icon