٢٦٠
توددا " فأصبحتم بنعمته إخوانا " يقول فصرتم بنعمة الإسلام " إخوانا " في الدين وكل ما ذكر في القرآن " أصبحتم " معناه صرتم كقوله " إن أصبح ماؤكم غورا " الملك ٣٠ أي صار ماؤكم غورا وهذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج كان بينهم قتال قبل الإسلام بأربعين عاما حتى كادوا أن يتفانوا فلما بعث النبي ﷺ بمكة آمن به الأوس والخزرج وهم بالمدينة ثم خرجوا إلى رسول الله ﷺ قبل أن يهاجر منهم سبعون رجلا فخرج رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس إلى العقبة فرأى سبعين رجلا من الأنصار فعاهدوه ثم رجعوا إلى المدينة وهاجر النبي ﷺ إليهم بعد الحولين فوقعت بين الأوس والخزرج ألفة وزالت عنهم العداوة التي كانت عنهم في الجاهلية بالإسلام وهذا كما ذكر في آية أخرى " لو أنفقت ما فى الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم " الأنفال٦٣
وروي عن جابر بن عبد الله أن رجلين من الأنصار أحدهما من الأوس والآخر من الخزرج تفاخرا فيما بينهما واقتتلا فاستعان كل واحد منهما بقومه فاجتمعت الأوس والخزرج وأخذوا السلاح وخرجوا للحرب فبلغ الخبر إلى رسول الله ﷺ فخرج إليهم في ثلاثين من المهاجرين وهو راكب على حمار له قال جابر فما كان من طالع يومئذ أكرم إلينا من رسول الله ﷺ إذ طلع علينا فأومأ إلينا بيده فكففنا ووقف بيننا على حمار له فقال " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته " إلى قوله " عذاب عظيم " فألقوا السلاح وأطفؤوا الحروب التي كانت بينهم وعانق بعضهم بعضا يبكون فما رأيت الناس أكثر باكيا من يؤمئذ فلم يكن في الأرض شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية
قوله تعالى " وكنتم على شفا حفرة من النار " قال القتبي شفى على كذا إذا أشرف عليه " شفا حفرة " أي حرف حفرة ومعناه وكنتم في الجاهلية على شر هلاك بالشرك من مات في الجاهلية كان في النار " فأنقذكم " الله " منها " بعدما كنتم على حرف من النار " كذلك يبين الله لكم آياته " يعني علاماته أي كنتم أعداء في الجاهلية فصرتم إخوانا في الإسلام " لعلكم تهتدون " أي لكي تهتدوا من الضلالة وتعرفوا علامته بهذه النعمة
ثم قال تعالى " ولتكن منكم أمة " فهذه لام الأمر كقوله " فليعمل عملا صلحا " الكهف ١١٠يعني لتكن منكم أمة
قال الكلبي يعني جماعة وقال مقاتل يعني عصبة وقال الزجاج معناه ولتكونوا كلكم أمة واحدة تدعون إلى الخير و " من " هاهنا لتخص المخاطبين من بين سائر الأجناس وهي مؤكدة كقوله تعالى " فاجتنبوا الرجس من الأوثن " الحج ٣٠ وقوله " يدعون إلى الخير " يعني
إلى الإسلام ويقال إلى جميع الخيرات " ويأمرون بالمعروف " قال الكلبي يعني باتباع محمد ﷺ " وينهون عن المنكر " يعني الجبت والطاغوت ويقال " المنكر " العمل الذي بخلاف الكتاب والسنة ويقال ما لا يصلح في العقل


الصفحة التالية
Icon