" صفحة رقم ٥٣٩ "
الميراث، وذلك مذكور في الفقه.
( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ( : أمره أن يخاطبهم بأن هدى الله، أي الذي هو مضاف إلى الله، وهو الإسلام الذي أنت عليه، هو الهدى، أي النافع التام الذي لا هدى وراءهم، وما أمرتم باتباعه هو هوى لا هدى، ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مّنَ اللَّهِ ). وأكد الجملة بأن وبالفصل الذي قبل، فدل على الاختصاص والحصر، وجاء الهدى معرّفاً بالألف واللام، وهو مما قيل : إن ذلك يدل على الحصر، فإذا قلت : زيد العالم، فكأنه قيل : هو الخصوص بالعلم والمحصور فيه ذلك. ثم ذكر تعالى أن ما هم عليه إنما هي أهواء وضلالات ناشئة عن شهواتهم وميولهم، فقال :) وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ( : وهو خطاب للنبي ( ﷺ ) ) على الأقوال التي في قوله :) وَلَن تَرْضَى ). واللام في لئن تسمى الموطئة والمؤذنة، وهي تشعر بقسم مقدر قبلها، ولذلك يبنى ما بعد الشرط على القسم لا على الشرط، إذ لو بنى على الشرط لدخلت الفاء في قوله :) مَا لَكَ ). والأهواء : جمع هوى، وكان الجمع دليلاً على كثرة اختلافهم، إذ لو كانوا على حق لكان طريقاً واحداً، ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً ). وأضاف الأهواء إليهم لأنها بدعهم وضلالاتهم، ولذلك سمى أصحاب البدع : أرباب الأهواء. ) مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ ( : أي من الدين وجعله علماً، لأنه معلوم بالبراهين الصحيحة، وتدل هذه الآية على أمور منها : أن من علم الله منه أنه لا يفعل الشيء، يجوز أن يخاطب بالوعيد لاحتمال أن يكون الصارف له ذلك الوعيد، أو يكون ذلك الوعيد أحد الصوارف، ونظيره : لئن أشركت ليحبطن عملك. ومنها، إن قوله :) بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ ( يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد المعذرة أولاً، فيبطل بذلك تكليف ما لا يطاق. ومنها : أن اتباع الهوى باطل، فيدل على بطلان التقليد. وقد فسر العلم هنا بالقرآن، وبالعلم بضلال القوم، وبالبيان بأن دين الله هو الإسلام، وبالتحول إلى الكعبة، قاله ابن عباس. وفي قوله ؛ ) مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ (، قطع لأطماعهم أن تتبع أهواؤهم، لأن من علم أنه لا ولي له ولا نصير ينفعه إذا ارتكب شيئاً كان أبعد في أن لا يرتكبه، وذلك إياس لهم في أن يتبع أهواءهم أحد، وقد تقدّم الكلام في الوليّ والنصير، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
البقرة :( ١٢١ ) الذين آتيناهم الكتاب.....
( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (، قال ابن عباس : نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب، وكانوا اثنين وثلاثين من أهل الحبشة، وثمانية من رهبان الشام. وقيل : كان بعضهم من أهل نجران، وبعضهم من أهل الحبشة، ومن الروم، وثمانية ملاحون أصحاب السفينة أقبلوا مع جعفر. وقال الضحاك : هم من آمن من اليهود، كابن سلام، وابن صوريا، وابن يامين، وغيرهم. وقيل : في علماء اليهود وأحبار النصارى. وقال ابن كيسان : الأنبياء والمرسلون. وقيل : المؤمنون. وقيل : الصحابة، قاله عكرمة وقتادة. وعلى هذا الاختلاف، يتنزل الاختلاف في الكتاب، أهو التوراة أو الإنجيل ؟ أو هما والقرآن ؟ أو الجنس ؟ فيكون يعني به به المكتوب، فيشمل الكتب المتقدمة. ) يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ( : أي يقرؤونه ويرتلونه بإعرابه. وقال عكرمة : يتبعون أحكامه. وقال الحسن : يعملون بمحكمه ويكلون متشابهه إلى الله. وقال عمر : يسألون من رحمته ويستعيذون من عذابه. وقال الزمخشري : لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله ( ﷺ ) ). والذين : مبتدأ، فإن أريد به الخصوص في من اهتدى، صح أن يكون يتلونه خبراً عنه، وصح أن يكون حالاً مقدرة إما من ضمير المفعول، وإما من الكتاب، لأنهم وقت الإيتاء لم يكونوا تالين له، ولا كان هو متلواً لهم، ويكون الخبر إذ ذاك في


الصفحة التالية
Icon