" صفحة رقم ٢٧٥ "
أن العرب لا تقول أسمعتك بمعنى قبلت منك، وإنما تقول : سمعت منك بمعنى قبلت، فيعبرون عن القبول بالسماع على جهة المجاز، لا بالأسماع. ولو أريد ما قاله الحسن ومجاهد لكان اللفظ : واسمع غير مسموع منك.
( وَراعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى الدّينِ ( تقدم تفسير راعنا في قوله تعالى :) مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ( أي فتلا بها. وتحريفاً عن الحق إلى الباطل حيث يضعون راعنا مكان انظرنا، وغير مسمع مكان لا أسمعت مكروهاً. أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً. وانتصاب غير مسمع على الحال من المضمر في اسمع، وتقدم إعراب الزمخشري إياه مفعولاً في أحد التقادير، وانتصاب لياً وطعناً على المفعول من أجله.
وقيل : هما مصدران في موضع الحال أي : لاوين وطاعنين. ومعنى : وطعنا في الدين، أي باللسان. وطعنهم فيه إنكار نبوّته، وتغيير نعته، أو عيب أحكام شريعته، أو تجهيله. وقولهم : لو كان نبياً لدرى أنا نسبه، أو استخفافهم واعتراضهم وتشكيكهم اتباعه أقوال أربعة. قال ابن عطية : وهذا الليّ باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى الآن في بني إسرائيل، ويحفظ منه في عصرنا أمثلة، إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب انتهى. وهو يحكي عن يهود الأندلس، وقد شاهدناهم وشاهدنا يهود ديار مصر على هذه الطريقة، وكأنهم يربون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير. قال الزمخشري :( فإن قلت ) : كيف جاؤا بالقول المحتمل ذي الوجهين، بعدما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا ؟ ( قلت ) : جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان، ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء، ويحتمل أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا به جعلوا كأنهم نطقوا به.
( وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ ( أي : لو تبدّلوا بالعصيان الطاعة، ومن الطاعة الإيمان بك، واقتصروا على لفظ اسمع، وتبدلوا براعنا قولهم : وانظرنا، فعدلوا عن الألفاظ الدالة على عدم الانقياد، والموهمة إلى ما أمروا به، لكان أي : ذلك القول، خيراً لهم عند الله وأعدل أي : أقوم وأصوب. قال عكرمة ومجاهد وغيرهما : أنظرنا أي انتظرنا بمعنى أفهمنا وتمهل علينا حتى نفهم عنك ونعي قولك، كما قال الحطيئة : وقد نظرتكم أثناء صادرة
للخمس طال بها مسحى وابساسي
وقالت فرقة : معناه انظر إلينا، وكأنه استدعاء اهتبال وتحف منهم. ومنه قول ابن قيس الرقيان :
ظاهرات الجمال والحسن ينظرن كما تنظر الاراك الظباء
وقرأ أبي : وأنظرنا من الأنظار وهو الإمهال. قال الزمخشري : المعنى ولو ثبت قولهم سمعنا وأطعنا لكان قولهم ذلك خيراً لهم وأقوم وأعدل وأسد انتهى. فسبك من أنهم قالوا مصدراً مرتفعاً بثبت على الفاعلية، وهذا مذهب المبرد خلافاً لسيبويه. إذ يرى سيبويه أنّ أن بعد لو مع ما عملت فيه مقدر باسم مبتدأ، وهل الخبر محذوف، أم لا يحتاج إلى تقدير خبر لجريان المسند والمسند إليه في صلة أن ؟ قولان أصحهما هذا. فالزمخشري وافق مذهب المبرد، وهو مذهب مرجوح في علم النحو.
( وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ( أي : أبعدهم الله عن الهدى بسبب كفرهم السابق. وقال الزمخشري : أي خذلهم بسبب كفرهم وأبعدهم عن ألطافه انتهى. وهذا على طريقة الاعتزالي.
( فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( استثناء من ضمير المفعول في لعنهم أي : إلا قليلاً لم يلعنهم فآمنوا، أو استثناء من الفاعل في : فلا يؤمنون،


الصفحة التالية
Icon