صفحة رقم ٢٤٦
العصر تأتي وقت اشتغال الناس بمعايشهم فكان الأمر بالمحافظة عليها أولى، ولأنها تأتي بين صلاتي نهار وهما الفجر والظهر وصلاتي ليل وهما المغرب والعشاء، وقد خصت بمزيد التأكيد والأمر بالمحافظة والتغليظ لمن ضيعها، ويدل على ذلك ما روي عن أبي المليح قال : كنا مع بريدة في غزوة فقال في يوم ذي غيم : بكروا بصلاة العصر فإن النبي ( ﷺ ) قال :( من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ) أخرجه البخاري.
قوله بكروا بصلاة العصر أي قدموها في أول وقتها
( ق ) عن ابن عمر أن رسول الله ( ﷺ ) قال :( الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله ) قوله : وتر أي نقص وسلب أهله وماله فبقي فرداً بلا أهل ولا مال ومعنى الحديث ليكن حذره من فوت صلاة العصر كحذره من ذهاب أهله وماله.
المذهب الرابع أنها صلاة المغرب قاله قبيصة بن ذؤيب، وحجة هذا المذهب أن صلاة المغرب تأتي بين بياض النهار وسواد الليل، ولأنها ازيد من ركعتين كما في الصبح، وأقل من أربع، ولا تقصر في السفر وهي وتر النهار، ولأن صلاة الظهر تسمى الأولى لأن ابتداء جبريل كان بها، وإذا كانت الظهر أولى الصلوات كانت المغرب هي الوسطى.
المذهب الخامس أنها صلاة العشاء ولم ينقل عن أحد من السلف فيها شيء، وإنما ذكرها بعض المتأخرين، وحجة هذا المذهب أنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران وهما المغرب والصبح ولأنها أثقل صلاة على المنافقين.
المذهب السادس أن الصلاة الوسطى هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها لأن الله تعالى أمر بالمحافظة على الصلوات الخمس ثم عطف عليها بالصلاة الوسطى، وليس في الآية ذكر بيانها، وإذا كان كذلك أمكن أن يقال في كل واحدة من الصلوات الخمس أنها هي الوسطى أبهمها الله على عباده مع ما خصها بمزيد التوكيد تحريضاً لهم على المحافظة على أداء جميع الصلوات على صفة الكمال والتمام ولهذا السبب أخفى الله تعالى ليلة القدر في شهر رمضان وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة وأخفى اسمه الأعظم في جميع أسمائه ليحافظوا على ذلك كله.
وهذا المذهب اختاره جمع من العلماء قال محمد بن سيرين إن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال حافظ على الصلوات كلها تصبها وسئل الربيع ابن خيثم عن الصلاة فقال للسائل الوسطى واحدة منهن فحافظ على الكل تكن محافظاً على الوسطى ثم قال أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظاً عليها ومضيعاً سائرهن فقال السائل لا فقال الربيع إنك أن حافظت عليهن فقد حافظت على الوسطى.
والصحيح من هذه الأقوال كلها قولان قول من قال إنها الصبح وقول من قال إنها العصر وأصح الأقوال كلها أنها العصر للأحاديث الصحيحة الواردة فيها والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى :( وقوموا لله قانتين ( أي طائعين


الصفحة التالية
Icon