صفحة رقم ٣٠٥
والاستحباب فإن ترك فلا بأس وهو قول جمهور العلماء وقيل بل كانت الكتابة والإشهاد والرهن فرضاً ثم نسخ بقوله تعالى :( فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتمن أمانته ( وهو قول الحسن والشعبي والحكم بن عيينة ثم بين الله تعالى كيفية الكتابة فقال تعالى :( وليكتب بينكم كاتب ( أي ليكتب الدين بين الطالب والمطلوب كاتب ) بالعدل ( أي بالحق من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم أجل ولا تأخيره قيل إن فائدة الكتابة هي حفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه مقيد بالكتابة تعذر عليه طلب زيادة أو تقديم المطالبة قبل حلول الأجل، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك تعذر عليه الجحود أو النقص من أصل الدين الذي عليه، فلما كانت هذه الفائدة من الكتابة أمر الله تعالى بها ) ولا يأب ( أي ولا يمتنع ) كاتب أن يكتب ( واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد فقيل بوجوبهما لأن ظاهر الكلام نهى عن الامتناع من الكتابة وإيجابها على كل كتاب فإذا طولب بالكتابة وتحمل الشهادة من هو من أهلهما وجب عليه ذلك.
وقيل : هو من فرض الكفاية وهو قول الشعبي فإن لم يوجد إلاّ واجد وجب عليه ذلك وقيل هو على الندب والاستحباب وذلك لأن الله تعالى لما علمه الكتابة وشرفه بها استحب له أن يكتب ليقضي حاجة أخيه المسلم ويشكر تلك النعمة التي أنعم الله بها عليه وقيل : كانت الكتابة وتحمل الشهادة واجبتين على الكاتب والشاهد ثم نسخهما الله تعالى بقوله :( ولا يضار كاتب ولا شهيد ( ) كما علمه الله ( أي كما شرعه الله وأمر به ) فليكتب ( وذلك أن يكتب بحيث لا يزيد ولا ينقص ويكتب ما يصلح أن يكون حجة عند الحاجة ولا يخص أحد الخصمين بالاحتياط له دون الآخر، وأن يكون كل واحد منهما آمناً من أبطال حقه، وأن يكون ما يكتبه متفقاً عليه عند العلماء، وأن يحترز من الألفاظ التي يقع النزاع فيها وهذه الأمور لا تحصل إلاّ لمن هو فقيه عالم باللغة ومذاهب العلماء.
) وليملل الذي عليه الحق ( يعني أن المطلوب الذي عليه الحق يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه من الحق فيذكر قدره وجنسه وصفة الأجل ونحو ذلك.
والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد ) وليتق الله ( ربه يعني المملي ) ولا يبخس ( أي ولا ينقص ) منه ( أي من الحق الذي وجب ) شيئاً فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً ( أي جاهلاً بالإملاء وقيل هو الطفل الصغير.
وقال الشافعي : السفيه هو المبذر المفسد لماله ودينه ) أو ضعيفاً ( يعني شيخاً كبيراً وقيل : هو ضعيف العقل لعته أو جنون ) أو لا يستطيع أن يمل هو ( يعني لخرس أو عمى أو عجمة في كلامه أو حبس أو غيبة لا يمكنه الحضور عند الكاتب أو يجهل بماله، وعليه فهؤلاء كلهم لا يصح إقرارهم فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم وهو قوله تعالى :( فليملل وليه ( يعني ولي كل واحد من هؤلاء الثلاثة المحجور عليهم لأنه مقامه في صحة الإقرار.
وقال ابن عباس : أراد بالولي صاحب الدين يعني إن عجز الذي عليه الحق عن الإملاء فليملل صاحب الحق لأنه أعلم بحقه ) بالعدل ( أي بالصدق