صفحة رقم ٣١٠
على فعله ولا إظهار إلى الوجود فهذا معفو عنه بدليل قوله تعالى :( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ( " وقال قوم : إن هذه الاية خاصة ثم اختلفوا في وجه تخصيصها فقال بعضهم : هي متصلة بالآية التي قبلها وإنما نزلت في كتمان الشهادة ومعنى الآية ) وإن تبدوا ما في أنفسكم ( أيها الشهود من كتمان الشهادة أي تخفوه أي تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله وهذا ضعيف، لأن اللفظ هام وإن كان وارداً عقيب قضية فلم يلزم صرفه إليها.
وقال بعضهم : إن الآية نزلت فيمن يتولى الكافرين من المؤمنين والمعنى : وإن تبدوا أي تظهروا ما في أنفسكم يعني من ولاية الكفار أو تخفوه فلا تظهروه يحاسبكم به الله.
وذهب أكثر العلماء إلى أن الآية عامة ثم اختلفوا فقال قوم : هي منسوخة بالآية التي بعدها ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة قال : لما نزلت على رسول الله ( ﷺ ) ) لله ما في السموات وما في الأرض، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ( الآية.
اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ( ﷺ ) فأتوا رسول الله ( ﷺ ) ثم بركوا على الركب فقالوا : أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الاية ولا نطيقها فقال رسول الله ( ﷺ ) :( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصبنا بل قوم سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى في أثرها :( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ( " فلما فعلوا ذلك نسخها الله عز وجل فأنزل الله :( لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ( " قال نعم :( ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ( " قال نعم ربنا :( ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ( " قال نعم :( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ( " قال نعم أخرجه مسلم وله عن ابن عباس نحوه وفيه قد فعلت بدل نعم
( ق ) عن أبي هريرة أن رسول الله ( ﷺ ) قال :( إن الله تعالى تجاوز لأمتي ماحدثت به أنفسها ما لم يعلموا به أو يتكلموا به وفي رواية ما وسوست به صدورها ) وقال قوم : إن الآية غير منسوخة لأن النسخ لا يرد إلاّ على الأمر والنهي ولا يرد على الإخبار.
وقول الله تعالى :( يحاسبكم به الله ( خبر فلا يرد عليه النسخ ثم اختلفوا في تأويلها فقال قوم : قد أثبت الله تعالى للقلب كسباً فقال : بما كسبت قلوبكم وليس لله عبد أسر عملاً أو أعلنه من حركة جارحة أو همة قلب إلاّ يعلمه الله ثم يخبره به ويحاسبه عليه ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وقال آخرون في معنى الاية : إن الله تعالى يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالكم وأخفوه وعاقبهم عليه غير أن معاقبتهم على ما أخفوه أخف مما لم يعملوا به وهو ما يحدث لهم في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها وهذا قول عائشة عن أمية إنها سألت عائشة عن قول الله عز وجل :( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ( وعن قوله ) من يعمل سوءاً يجز به ( فقالت : ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ( ﷺ ) فقال :( هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى البضاعة يضعها في يد قميصه فيفقدها فيفزع لها، حتى أن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير ) أخرجه الترمذي، وقال : حديث حسن غريب.
وله عن انس بن مالك أن رسول الله ( ﷺ ) قال :( إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة ) وقال قوم في معنى الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم يعني مما عزمتم عليه أو تخفوه أي ولا تبدوه وأنتم


الصفحة التالية
Icon