صفحة رقم ٤٤٩
) بل أحياء ( أي بل هم أحياء وظاهر الآية يدل على كون من قتل في سبيل الله حياً فأما أن يكون المراد أنهم سيصيرون أحياء في الآخرة أو يكون المراد إنهم أحياء في الحال وعلى تقدير أنهم أحياء في الحال يكون المراد إثبات الحياة الروحانية أو إثبات الحياة الجثمانية.
فهذه ثلاثة أوجه في معنى احتمال الحياة فيمن قال بالوجه الأول هو أنهم سيصيرون أحياء في الآخرة قال معنى الآية بل هم أحياء في الذكر : وأنهم يذكرون بخير أعمالهم وأنهم استشهدوا في سبيل الله وقيل بل هم أحياء في الدين وهذا القول ليس بصواب لأن الله تعالى أثبت لهم الحياة في الحال بقوله بل أحياء يعني في حال ما يقتلون فإنهم يحيون وهو الاحتمال الثاني.
واختلفوا في معنى هذه الحياة هل هي للروح أو للجسم والروح معاً فمن أثبت الحياة للروح دون الجسم يقال يدل على ذلك قوله ( ﷺ ) أرواح الشهداء في حواصل طير خضر فخص الأرواح دون الأجساد وقال بعض المفسرين إنّ أرواح الشهداء تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة.
ومن أثبت الحياة الروح والجسم معاً قال : يدل عليه سياق الآية وهو قوله عند ربهم يرزقون فأخبر الله سبحانه وتعالى أنهم يرزقون ويأكلون ويتنعمون كالأحياء وقيل إن الشهيد لا يبلى في قبره ولا تأكله الأرض كغيره.
وروي أنه لما أراد معاوية أن يجري الماء على قبور الشهداء أمر أن ينادي من كان له قتيل فليخرجه وليحوله من هذا الموضع قال جابر : فخرجنا إليهم فأخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فأنبعث دماً وذكر البغوي بغير سند عن عبيدالله بن عمير قال مر رسول الله ( ﷺ ) حين انصرف من أحد على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له ثم قرأ :( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ( " ثم قال رسول الله ( ﷺ ) :( أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم فالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلاّ ردوا عليه ) قوله تعالى :( عند ربهم ( يعني في محل كرامته وفضله ) يرزقون ( يعني من ثمار الجنة وتحفها.
آل عمران :( ١٧٠ ) فرحين بما آتاهم...
" فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون " ( ) فرحين بما آتاهم الله من فضله ( يعني بما أعطاهم من الثواب والكرامة والإحسان والإفضال في دار النعيم ) ويستبشرون ( أي يفرحون والاستبشار هو الفرح والسرور الذي يحصل للإنسان عند البشارة ) بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ( يعني من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على منهج الإيمان والجهاد لعلمهم بأنهم إذا استشهدوا سألوا الله عز وجل أن يخبر إخوانهم بما ناولوا من الخير والكرامة ليرغبوا في الجهاد فأخبرهم الله عز وجل إني قد أنزلت على نبّي محمد ( ﷺ ) وأخبرته بحالكم وما صرتم إليه من الكرامة وأن محمداً ( ﷺ ) قد


الصفحة التالية
Icon