صفحة رقم ٤٩٤
أنزلها الله في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله.
وقوله تعالى :( من بعد وصية يوصي بها أو دين ( تقدم تفسيره وبقي شيء من الأحكام يذكر هنا وذلك أن ظاهر الآية يدل على جواز الوصية بكل المال وببعضه وفي معنى الآية ما روي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ( ﷺ ) قال :( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به ) وفي رواية له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين وفي رواية ثلاث ليال إلاّ ووصيته مكتوبة عنده.
قال نافع : سمعت عبدالله بن عمر يقول ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلىالله عليه وسلم يقول ذلك إلاّ وعندي وصيتي مكتوبة أخرجاه في الصحيحين، ففي ظاهر الآية والحديث ما يدل على إطلاق الوصية لكن ورد في السنة ما يدل على تقييد هذا المطلق وتخصيصه وهو قوله ( ﷺ ) في حديث سعد بن أبي وقاص قال :( الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء أخير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) أخرجاه في الصحيحين.
ففي هذا الحديث دليل على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث وأن النقصان عن الثلث جائز ولا تجوز الوصية لوارث ويدل عليه ما روي عن عمرو بن خارجة قال سمعت رسول الله ( ﷺ ) يقول :( إن الله عزّ وجلّ أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر ) أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله ( ﷺ ) يقول :( إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ) أخرجه أبو داود.
وقوله تعالى :( غير مضار ( يعني غير مدخل الضرر على الورثة بمجاوزة الثلث في الوصية وهو أن يوصي بأكثر من الثلث وقيل هو أن يوصي بدين ليس عليه أو يقر بماله أو أكثر ماله لأجنبي ويترك ورثته عن أبي هريرة أن رسول الله ( ﷺ ) قال :( إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار )، ثم قرأ أبو هريرة من بعد وصية يوصي بها أو دين إلى قوله وذلك هو الفوز العظيم أخرجه أبو داود والترمذي.
وقال قتادة : كره الله تعالى الضّرار في الحياة وعند الموت فنهى عنه وقدم فيه وقيل : إن الإضرار في الوصية من الكبائر لأن مخالفة أمر الله عز وجل كبيرة وقد نهى الله عن الإضرار في الوصية فدل على أن ذلك من الكبائر، واعلم أن الأولى بالإنسان أن ينظر عند الموت في قدر ما يخلف من الورثة ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان ماله قليلاً، وفي الورثة كثرة فالأولى به أن لا يوصي بشيء لقوله ( ﷺ ) لسعد بن أبي وقاص :( إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب الورثة وحاجتهم بعده في القلة والكثرة.
وقوله تعالى :( وصية من الله ( أي فريضة من الله وقيل عهداً من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم ) والله عليم ( يعني أنه عالم بمصالح عباده ومضارهم وبما يفرض عليهم من الأحكام وقيل عليم بمن يجوز في وصيته وبمن لا يجوز ) حليم ( يعني أنه تعالى ذو حلم وذو أناة في ترك العقوبة عمن جار في وصيته وقال أبو سليمان الخطابي : الحليم ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل والحليم هو الصفوح مع القدرة المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة.
النساء :( ١٣ - ١٥ ) تلك حدود الله...
" تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " ( ) تلك حدود الله ( يعني الأحكام التي تقدم ذكرها في هذه السورة من مال اليتامى والوصايا والأنكحة والمواريث وإنما سماها حدوداً لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزوها وقال ابن عباس يريد ما حد الله من فرائضه ) ومن يطع الله ورسوله ( يعني في شأن المواريث ورضي بما قسم الله له وحكم عليه ) يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ( يعني في شأن المواريث ولم يرض بقسمة الله ورسوله ) ويتعد حدوده ( يعني ويتجاوز ما أمر الله تعالى به ) يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين (


الصفحة التالية
Icon