صفحة رقم ٥٤٨
ما لا يحصى لتحترق ويصل ألمها وقيل المراد بالجلود السرابيل وهوقوله :( سرابيلهم من قطران ( " والمعنى كلما نضجت سرابيلهم واحترقت بدلناهم سرابيل من قطران غيرها لأن الجلود لو احترقت لفنيت وفي فنائها راحتها وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون فيها ولا يخفف عنهم من عذابها ولأن الجلد أحد أجزاء الجسم فثبت أن التبديل إنما هو للسرابيل وقيل يبدل الجلد من نفس الكافر فيخرج من لحمه جلداً وقيل إن الله تعالى يلبس أهل النار جلوداً لا تألم لتكون زيادة في عذابهم كلما احترق جلد بدلهم جلداً غيره.
وقوله تعالى :( ليذوقوا العذاب ( أي إنما فعلنا بهم ذلك ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته وإنما أتى بلفظ الذوق مع ما ينالهم من عظم العذاب الذي نالوه إخباراً بأن إحساسهم به في كل حال فإحساس الذائق في تجديد وجدان الذوق من غير نقصان في الإحساس ) إن الله كان عزيزاً ( يعني في انتقامه ممن ينتقم من خلقه لا يغلبه شيء ولا يمتنع عليه أحداً ) حكيماً ( يعني في تدبيره وقضائه وأنه لا يفعل إلاّ ما هو الصواب.
النساء :( ٥٧ - ٥٨ ) والذين آمنوا وعملوا...
" والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا " ( ) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ( يعني سوف ندخلهم يوم القيامة ) جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ( يعني باقين فيها ) أبداً ( يعني ذلك الخلود بغير نهاية ولا انقطاع ) لهم فيها ( يعني في الجنات ) أزواج مطهرة ( يعني مطهرات من الحيض والنفاس وسائر أقذار الدنيا ) وندخلهم ظلاً ظليلاً ( كنيناً ذلك الظل لا تنسخه الشمس ولا يؤذيهم فيه حر ولا برد وذلك الظل هو ظل الجنة.
فإن قلت إذا لم يكن في الجنة شمس يؤذي حرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل ؟ قلت إنما خاطبهم بما يعقلون ويعرفون وذلك لأن بلاد العرب في غاية الحرارة فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة واللذة فهو كقوله ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً.
قوله عز وجل :( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ( قال البغوي نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة فلما دخل النبي ( ﷺ ) مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله ( ﷺ ) المفتاح فقيل له : إنه مع عثمان فطلب منه رسول الله المفتاح فأبى وقال لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذه منه المفتاح وفتح الباب ودخل رسول الله ( ﷺ ) البيت وصلى فيه ركعتين فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وأن يجمع له بين السقايا والسدانة فأنزل الله هذه الآية فأمر رسول الله ( ﷺ ) علياً أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه ففعل ذلك فقال له عثمان : أكرهت ثم جئت ترفق فقال علي لقد أنزل الله عز وجل في شأنك قرآناً وقرأ عليه الآية فقال عثمان : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فأسلم فكان المفتاح معه إلى أن مات فدفعه إلى أخيه شيبه فالمفتاح والسدانة في أولادهم إلى يوم القيامة.
قلت وفيما ذكره البغوي رحمه الله من إسلام عثمان بن طلحة يوم الفتح ومنعه المفتاح وقوله لو أعلم أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح نظر والصحيح ما حكاه أبو عمر بن عبد البر وابن منده وابن الأثير أن عثمان بن طلحة هاجر إلى المدينة في هدنة الحديبية سنة ثمان مع خالد بن الوليد ولقيهما عمرو بن العاص مقبلاً من عند النجاشي فرافقهما وهاجر معهما فلما رآهم النبي ( ﷺ ) : قال رمتكم بأفلاذ كبدها يعني أنهم وجوه


الصفحة التالية
Icon