﴿ وَلَـاكِن يُؤَاخِذُكُم ﴾ [المائدة : ٨٩] ولكن يعاقبكم ﴿ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [البقرة : ٢٢٥] بما اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس، وتعلق الشافعي بهذا النص على وجوب الكفارة في الغموس لأن كسب القلب العزم والقصد، والمؤاخذة غير مبينة هنا وبينت في المائدة فكان البيان ثمة بياناً هنا، وقلنا : المؤاخذة هنا مطلقة.
وهي في دار الجزاء والمؤاخذة ثم مقيدة بدار الابتلاء فلا يصح حمل البعض على البعض ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة : ٢٢٥] حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم.
﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ ﴾ [البقرة : ٢٢٦] يقسمون وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنه ومن في ﴿ مِن نِّسَآئِهِمْ ﴾ [البقرة : ٢٢٦] يتعلق بالجار والمجرور أي للذين كما تقول لك مني نصرة ولك مني معونة أي للمؤلين من نسائهم ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ [البقرة : ٢٢٦] أي استقر للمؤلين ترقب أربعة أشهر لا بـ يؤلون لأن آلى يعدّى بـ " على " يقال آلى فلان على امرأته، وقول القائل " آلى فلان من امرأته " وهم توهمه من هذه الآية.
ولك أن تقول عدّي بـ " من " لما في هذا القسم من معنى البعد فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم ﴿ فَإِن فَآءُو ﴾ [البقرة : ٢٢٦] في الأشهر لقراءة عبد الله فإن فاءوا فيهن أي رجعوا إلى الوطء عن الإصرار بتركه ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [البقرة : ١٩٢] حيث شرع الكفارة
١٧٨
﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَـاقَ ﴾ [البقرة : ٢٢٧] بترك الفيء فتربصوا إلى مضي المدة ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ [البقرة : ٢٢٧] لايلائه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بنيته وهو وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة، وعند الشافعي رحمه الله معناه فإن فاءوا وإن عزموا بعد مضي المدة لأن الفاء للتعقيب.
وقلنا قوله : فإن فاءوا ".
وإن عزموا تفصيل لقوله للذين يؤلون من نسائهم والتفصيل يعقب المفصل كما تقول : أنا نزيلكم هذا الشهر فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم إلا ريثما أتحول.
﴿ وَالْمُطَلَّقَـاتُ ﴾ أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء.
﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ [البقرة : ٢٣٤] خبر في معنى الأمر وأصل الكلام ولتتربص المطلقات، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً، ونحوه قولهم في الدعاء " رحمك الله " أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها.
وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبات بخلاف الفعلية.
وفي ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٧٧
﴿ ثَلَـاثَةَ قُرُواءٍ ﴾ [البقرة : ٢٢٨] جمع قرء أو قرء وهو الحيض لقوله عليه السلام دعي الصلاة أيام أقرائك وقوله طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ولم يقل طهران.
وقوله تعالى :﴿ وَالَّـاـاِى يَـاـاِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآ ـاِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَـاثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ [الطلاق : ٤] (الطلاق : ٤).
فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار، ولأن المطلوب من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام دون الطهر ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة، ولأنه لو كان ظهراً ـــــ كما قال الشافعي ـــــ لانقضت العدة بقرأين وبعض الثالث فانتقص العدد عن الثلاثة، لأنه إذا طلقها لآخر الطهر فذا محسوب من العدة عنده، وإذا طلقها في آخر الحيض فذا غير مسحوب من العدة عندنا، والثلاث اسم
١٧٩
خاص لعدد مخصوص لا يقع على ما دونه.
ويقال أقرأت المرأة إذا حاضت وامرأة مقرىء.
وانتصاب ثلاثة على أنه مفعول به أي يتربصن مضي ثلاثة قروء أو على الظرف أي يتربصن مدة ثلاثة قروء، وجاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء لاشتراكهما في الجمعية اتساعاً، ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء فأوثر عليه تنزيلاً لقليل الاستعمال منزلة المهمل.


الصفحة التالية
Icon