﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَـاهُ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة : ٢٤٧] الطاء في اصطفاه بدل من التاء لمكان الصاد الساكنة أي اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكمه.
ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العلم المبسوط والجسامة فقال ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً ﴾ [البقرة : ٢٤٧] مفعول ثانٍ ﴿ فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ [البقرة : ٢٤٧] قالوا : كان أعلم بني إسرائيل بالحرب والديانات في وقته، وأطول من كل إنسان برأسه ومنكبه.
والبسطة السعة والامتداد، والملك لا بد أن يكون من أهل العلم فإن الجاهل ذليل مزدرى غير منتفع به، وأن يكون جسيماً لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب.
﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ ﴾ [البقرة : ٢٤٧] أي الملك له غير منازع فيه وهو يؤتيه من يشاء إيتاءه وليس ذلك بالوراثة ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ ﴾ [البقرة : ٢٤٧] أي واسع الفضل والعطاء يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمن يصطفيه للملك فثمة طلبوا من نبيهم آية على اصطفاء الله طالوت.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٩٠
﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ﴾ [البقرة : ٢٤٨] أي صندوق التوراة، وكان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون.
﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [البقرة : ٢٤٨] سكون وطمأنينة ﴿ وَبَقِيَّةٌ ﴾ هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة ونعلا موسى وعمامة هارون عليهما السلام ﴿ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَـارُونَ ﴾ [البقرة : ٢٤٨] أي مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما ﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلَـائِكَةُ ﴾ [البقرة : ٢٤٨] يعني التابوت وكان رفعه الله بعد موسى فنزلت به الملائكة تحمله وهم ينظرون إليه، والجملة في موضع الحال وكذا فيه سكينة.
ومن ربكم } نعت لـ سكينة " ومما ترك نعت لـ بقية ﴿ إِنَّ فِي ذَالِكَ لايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة : ٢٤٨] إن في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم إن كنتم مصدقين.
﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ ﴾ [البقرة : ٢٤٩] خرج ﴿ بِالْجُنُودِ ﴾ عن بلده إلى جهاد العدو وبالجنود في موضع الحال أي مختلطاً بالجنود وهم ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسألوا أن يجري الله لهم نهراً ﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم ﴾ [البقرة : ٢٤٩] مختبركم أي يعاملكم معاملة المختبر ﴿ بِنَهَرٍ ﴾ وهو نهر فلسطين ليتميز المحقق في الجهاد من المعذر ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ ﴾ [البقرة : ٢٤٩] كرعاً ﴿ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ [البقرة : ٢٤٩] فليس من أتباعي وأشياعي ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ ﴾ [البقرة : ٢٤٩] ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه ﴿ فَإِنَّهُ مِنِّى ﴾ [البقرة : ٢٤٩] وبفتح الياء : مدني وأبو عمرو.
واستثنى ﴿ إِلا مَنِ اغْتَرَفَ ﴾ من قوله فمن شرب منه فليس مني والجملة الثانية في حكم المتأخرة عن الاستثناء إلا أنها قدمت للعناية ﴿ غُرْفَةَ بِيَدِهِ ﴾ [البقرة : ٢٤٩] غرفة : حجازي وأبو عمرو بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة
١٩٤
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٩٠