تدخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان، لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ولكن ما اعتقده وعزم عليه، والحاصل أن عزم الكفر كفر وخطرة الذنوب من غير عزم معفوة، وعزم الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور.
فأما إذا هم بسيئة وهو ثابت على ذلك إلا أنه منع عنه بمانع ليس باختياره فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله أي بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة الزنا، وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا؟ قيل : لا لقوله عليه السلام : إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به والجمهور على أن الحديث في الخطرة دون العزم وأن المؤاخذة في العزم ثابتة وإليه مال الشيخ أبو منصور وشمس الأئمة الحلواني رحمهما الله، والدليل عليه قوله تعالى :﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَـاحِشَةُ ﴾ [النور : ١٩] (النور : ٩١).
الآية.
وعن عائشة رضي الله عنها : ما هم العبد بالمعصية من غير عمل يعاقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا.
وفي أكثر التفاسير أنه لما نزلت هذه الآية جزعت الصحابة رضي الله عنهم وقالوا : أنؤاخذ بكل ما حدثت به أنفسنا فنزل قوله آمن الرسول إلى قوله لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فتعلق ذلك بالكسب دون العزم.
وفي بعضها أنها نسخت بهذه الآية، والمحققون على أن النسخ يكون في الأحكام لا في الأخبار ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ [البقرة : ٢٨٤] برفعهما : شامي وعاصم أي فهو يغفر ويعذب، ويجزمهما : غيرهم عطفاً على جواب الشرط، وبالإدغام : أبو عمرو، وكذا في الإشارة والبشارة.
وقال صاحب الكشاف : مدغم الراء في اللام لاحن مخطىء، لأن الراء حرف مكرر فيصير بمنزلة المضاعف، ولا يجوز إدغام المضاعف، ورواية عن أبي عمر مخطىء مرتين لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس في العربية ما يؤذن بجهل عظيم ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ ﴾ [المجادلة : ٦] من المغفرة والتعذيب وغيرهما ﴿ قَدِيرٌ ﴾ قادر.
٢١٧
﴿ الرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ﴾ [البقرة : ٢٨٥] إن عطف المؤمنون على الرسول كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في ﴿ كُلٌّ ﴾ راجعاً إلى الرسول والمؤمنون } أي كلهم ﴿ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَـائكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [البقرة : ٢٨٥] ووقف عليه، وإن كان مبتدأ كان عليه كل مبتدأ ثانياً والتقدير كل منهم وآمن خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول، وكان الضمير للمؤمنين ووحد ضمير كل في آمن على معنى كل واحد منهم آمن.
وكتابه : حمزة وعلي يعني القرآن أو الجنس ﴿ لا نُفَرِّقُ ﴾ [البقرة : ٢٨٥] أي يقولون لا نفرق بل نؤمن بالكل ﴿ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ [البقرة : ٢٨٥] أحد في معنى الجمع ولذا دخل عليه بين وهو لا يدخل إلا على اسم يدل على أكثر من واحد.
تقول المال بين القوم ولا تقول المال بين زيد.
﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا ﴾ [البقرة : ٢٨٥] أجبنا قولك ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ أمرك ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ أي اغفر لنا غفرانك فهو منصوب بفعل مضمر ﴿ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة : ٢٨٥] المرجع، وفيه إقرار بالبعث والجزاء.
والآية تدل على بطلان الاستثناء في الإيمان وعلى بقاء الإيمان لمرتكب الكبائر.
﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا ﴾ [البقرة : ٢٨٦] محكي عنهم أو مستأنف ﴿ إِلا وُسْعَهَا ﴾ [الأعراف : ٤٢] إلا طاقتها وقدرتها لأن التكليف لا يرد إلا بفعل يقدر عليه المكلف، كذا في شرح التأويلات.
وقال صاحب الكشاف : الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى غاية الطاقة والمجهود، فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس ويصوم أكثر من الشهر ويحج أكثر من حجة ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة : ٢٨٦] ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر، وخص الخير بالكسب والشر بالاكتساب لأن الافتعال للانكماش
٢١٨


الصفحة التالية
Icon