وفي "الحكم العطائية" اخرج من أوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيباً ومن حضرته قريباً بالاستسلام لقهره، وذلك يقتضي وجود الحفظ من الله تعالى حتى لا يلم العبد بمعصية وإن ألم بها فلا تصدر منه وإذا صدرت منه فلا يصر عليها إذ الحفظ الامتناع من الذنب مع جواز الوقوع فيه والعصمة الامتناع من الذنب مع استحالة الوقوع في العصمة للأنبياء والحفظ للأولياء فقوله :﴿قَالَ إِنَّه يَقُولُ﴾ يدل على الرجوع من الهفوة وعدم الإصرار وهذا إيمان محض.
وفي "التأويلات النجمية" :﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إشارة إلى ذبح بقرة النفس البهيمية فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهذا هو الجهاد الأكبر الذي كان النبي عليه السلام يشير إليه بقوله :"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" وبقوله :"المجاهد من جاهد نفسه" وقوله عليه السلام :"موتوا قبل أن تموتوا" أشار إلى هذا المعنى ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ أي : أتستهزىء بما في ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذي همة سنية.
﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الذين يظنون أن ذبح النفس أمر هين ويستعد له كل تابع الهوى أو عابد الدنيا ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ﴾ أي : يعين أي : بقرة نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فأشار إلى بقرة نفس ﴿لا فَارِضٌ﴾ في سن الشيخوخة تعجز عن سلوك الطريق لضعف المشيب وخلل القوى النفسانية كما قال بعض المشايخ الصوفي بعد الأربعين فارض ﴿وَلا بِكْرٌ﴾ في سن شرح الشباب فإنه يستهويه سكره ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَالِكَ﴾ أي : عند كمال العقل قال تعالى :﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّه وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (الأحقاف : ١٥) ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ فإنكم إن تقربتم إلى الله بما أمرتم فإن الله يتقرب إليكم بما وعدتم ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ (الكهف : ٣٠) في الشيب والشباب
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٥٩
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ يعني ما لون بقرة نفس تصلح للذبح في الجهاد ﴿قَالَ إِنَّه يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ﴾ إشارة إلى صفرة وجوه أرباب الرياضات وسيما أصحاب المجاهدات في طلب المشاهدات ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ يعني صفرة زين لا صفرة شين كما هي سيما الصالحين ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ من نظر إليهم يشاهد في غرتهم بهاء قد ألبس من أثر الطاعات ويطالع من طلعتهم آثار شواهد الغيب من خمود الشهوات حتى أمن من أحوال البشرية بوجدان آثار الربوبية كقوله تعالى :﴿سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (الفتح : ٢٩) ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ إشارة إلى كثرة تشبه البطالين بزي الطالبين وكسوتهم وهيئتهم ﴿وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى الصادق منهم فالاهتداء إليهم يتعلق بمشيئة الله وبدلالته كما كان حال موسى والخضر عليهما السلام فلو لم يدل الله موسى لما وجده وقوله ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الارْضَ﴾ إشارة إلى نفس الطالب الصادق وهي التي لا تحمل الذلة تثير بآلة الحرص علو أرض الدنيا لطلب زخارفها وتتبع هوى النفس وشهواتها كما قال عليه الصلاة والسلام "عز من قنع ذل من طمع" وقال "ليس للمؤمن أن يذل نفسه" ﴿وَلا تَسْقِى الْحَرْثَ﴾ أي : حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الحق فيصرف في حرث الدنيا
١٦١
فيذهب ماؤه عند الخلق وعند الحق لقوله تعالى :﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِه مِنْهَا وَمَا لَه فِى الاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (الشورى : ٢٠) ﴿مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي : نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لأحكام ربها ليس منها طلب غير الله ولا مقصد لها إلا الله كما وصفهم الله تعالى بقوله :﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (البقرة : ٢٧٣) إلى قوله :﴿إِلْحَافًا﴾ (البقرة : ٢٧٣) ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يشير إلى أن ذبح النفس ليس من الطبيعة الإنسانية فمن ذبحها من الصادقين بسيف الصدق كان ذلك من فضل الله تعالى وحسن توفيقه فأما من حيث الطبيعة فما كادوا يفعلون.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٥٩