وهو قلب يظهر عليه بغلبات أنوار الروح لصفائه بعض الأشياء المشبهة لخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة وبعضها بمرتبة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ﴾ وهو قلب يظهر عليه في بعض الأوقات عند انخراق حجب البشرية أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء وبعضها بمرتبة ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض أهل الأديان والملل وهذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم والفرق بينهم أن أحوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الإيمان فيزيدهم في قربهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق كما قال :﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَه لِلاسْلَـامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ (الزمر : ٢٢) وبعض القلوب بمرتبة الحجر القاسي الذي لا يؤثر فيه القرآن والأخبار والحكمة والموعظة وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق فإنه قلب مختوم عليه ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَـافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم عاجلاً وآجلاً فأما عاجلاً بأن يجعل إنكاركم سبب مزيد قسوة قلوبكم فيقسيها بأعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع إنكاركم قال عليه السلام :"ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه" وأما آجلاً فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيئات أعمالكم.
كذا في "التأويلات النجمية".
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٦٣
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ كان عليه السلام شديد الحرص على الدعاء إلى الحق وقبولهم الإيمان منه وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم فقص الله عليه أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمانه من قلة القبول والاستجابة والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه والهمزة لإنكار الواقع واستبعاده كما في قولك أتضرب أباك لا لإنكار الوقوع كما في قوله : اضرب أبي والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي : أتسمعون أخبارهم وتعلمون أحوالهم فتطمعون ومآل المعنى أبعد إن علمتم تفاصيل شؤونهم المؤيسة منهم فتطمعون في ﴿أَن يُؤْمِنُوا﴾ جميع اليهود أو علماؤهم فإنهم متماثلون في شدة الشكيمة والأخلاق الذميمة لا يتأتى من أخلاقهم إلا مثل ما أتى من أسلافهم فلا تحزنوا على تكذيبهم واللام في ﴿لَكُمْ﴾ لتضمين معنى الاستجابة أي : في إيمانهم مستحبين لكم أو للتعليل أي : في أن يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم الحال ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ﴾ كائن ﴿مِنْهُم﴾ أي : طائفة ممن سلف منهم والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالرهط ﴿يَسْمَعُونَ كَلَـامَ اللَّهِ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي : يغيرون ما فيها من الأحكام كتغييرهم صفة محمد صلى الله عليه وسلّم وآية الرجم وقيل : كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى ثم قالوا : سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم أن لا تفعلوا فلا بأس.
قال في "التيسير" : الصحيح إنهم لم يسمعوا كلام الله بلا واسطة فإن ذلك كان لموسى على الخصوص لم يشركه فيه غيره في الدنيا ومعنى يسمعون كلام الله أي : التوراة من موسى بقراءته ﴿مِنا بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي : من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم يبق لهم شبهة في صحته يقول كيف يؤمن هؤلاء وهم يقلدون أولئك الآباء فهم من أهل السوء الذين مضوا بالعناد فلا تطعموا في الإيمان
١٦٦
منهم ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي : يحرفونه والحال أنهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٦٦