فعلى السالك أن يجتهد في الوصول إلى الموجود الحق ويتخلص من الموهوم المطلق ولا يغتر بظواهر الحالات غافلاً عن بطون الاعتبارات فإن طريق الحق أدق من كل دقيق وماء عميق وفج سحيق وأجهل الناس من يترك يقين ما عنده من صفات نفسه التي لا شك فيها الظن ما عند الناس من صلاحية حاله.
قال حارث بن أسد المحاسبي رضي الله عنه الراضي بالمدح بالباطل كمن يهزأ به فالعاقل لا يغتر بمثله بل يجتهد إلى أن يصل إلى الحقيقة فويل لواعظ تكبر وافتخر بتقبيل الناس يده ورأى نفسه خيراً من السامعين ويتقيد بالمدح والذم اللهم إلا أن يخرج ذلك من قلبه والمعيار مساواة المقبل واللاطم عنده بل رجحان اللاطم والضارب.
قال في مجلس وعظه جنيد البغدادي لو لم أسمع قوله صلى الله عليه وسلّم "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" لما اجترأت على الوعظ فأنا ذلك الرجل الفاجر.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٦٧
﴿وَقَالُوا﴾ إن اليهود زعماً منهم ﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي : لا تصل إلينا النار في الآخرة ﴿إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ قليلة محصورة سبعة أيام فإنهم يقولون إن أيام الدنيا سبعة آلاف سنة فنعذب مكان كل ألف سنة يوماً أو يراد أربعين يوماً مقدار عباده آبائهم العجل.
قال أبو منصور رحمه الله تصرف الأيام المعدودة إلى العمر الذي عصوا فيه وهم لم يروا التعذيب الأعلى قدر وقت العصيان أو كانوا لا يرون التخليد في النار كالجهمي أو لأنهم كانوا يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه فلا نعذب أبداً بل نعذب تعذيب الأب ابنه والحبيب حبيبه في وقت قليل ثم يرضى وهذا منهم باطل وعقوبة الكفر أبداً وثواب الإيمان كذلك لأن من اعتقد ديناً إنما يعتقده للأبد فعلى ذلك جزاؤه للأبد ﴿قُلْ﴾ يا محمد تبكيتاً لهم وتوبيخاً ﴿اتَّخَذْتُمُ﴾ بقطع الهمزة لأنه ألف استفهام بمعنى التوبيخ والألف المجتلبة ذهبت بالإدراج أي : اتخذتم ﴿عِندَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ خبراً أو وعداً بما تزعمون فإن ما تدعون لا يكون إلا بناءً على وعد قوى ولذلك عبر عنه بالعهد ﴿فَلَن﴾ الفاء فصيحة معربة عن شرط محذوف أي : إن اتخذتم عند الله عهداً وأماناً فلن
١٦٩
﴿يُخْلِفَ اللَّهُ﴾ الإخلاف نقض العهد ﴿عَهْدَه﴾ الذي عهده إليكم يعني ينجز وعده البتة.
قال الإمام أبو منصور : لهذان وجهان : أحدهما هل عندكم خبر عن الله تعالى أنكم لا تعذبون أبداً لكن أياماً معدودة فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده ووعده والثاني ألكم عند الله أعمال صالحة ووعدكم بها الجنة فهو لا يخلف وعده ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ مفترين ﴿عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقوعه وأم معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى أي : الأمرين المتساويين كائن على سبيل التقرير لأن العلم واقع بكون أحدهما تلخيصه إن كان لكم عنده عهد فلا ينقض ولكنكم تخرصون وتكذبون روى أنهم إذا مضت تلك المدة عليهم في النار يقول لهم خزنة جهنم يا أعداء الله ذهب الأجل وبقي الأبد فأيقنوا بالخلود.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٦٩
﴿بَلَى﴾ إثبات لما بعد النفي فهو جواب النفي ونعم جواب الإيجاب أي : قلتم لن تمسنا النار سوى الأيام المعدودة بلى تمسكم أبداً بدليل قوله :﴿هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ﴾ (البقرة : ٨١) وبين ذلك بالشرط والجزاء وهما ﴿مِّنْ﴾ فهو رفع مبتدأ بمعنى الشرط ولذلك دخلت الفاء في خبره وإن كان جواباً للشرط ﴿كَسَبَ﴾ الكسب استجلاب النفع واستعماله في استجلاب الضر كالسيئة على سبيل التهكم ﴿سَيِّئَةً﴾ من السيئات يعني كبيرة من الكبائر ﴿وَأَحَـاطَتْ بِه خَطِياـئَتُهُ﴾ تلك واستولت عليه من جميع جوانبه من قلبه ولسانه ويده كما يحيط العدو وهذا إنما يتحقق في الكافر ولذلك فسر السلف السيئة بالكفر فأولئك الموصوفون بما ذكر من كسب السيئات وإحاطة خطاياهم بهم أشير إليهم بعنوان الجمعية مراعاة لجانب المعنى في كلمة من بعد مراعاة جانب اللفظ في الضمائر الثلاثة ﴿أَصْحَـابُ النَّارِ﴾ أي : ملازموها في الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا لما يستوجبها من الأسباب التي من جملتها ما هم عليه من تكذيب آيات الله وتحريف كلامه والافتراء عليه وغير ذلك وهو خبر أولئك والجملة خبر للمبتدأ ﴿هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ﴾ دائمون فأنى لهم التفضي منها بعد سبعة أيام أو أربعين كما زعموا والجملة في حيز النصب على الحالية لورود التصريح به في قوله :﴿أَصْحَـابُ النَّارِ خَـالِدِينَ فِيهَا﴾ (التغابن : ١٠) ولا حجة في الآية على خلود صاحب الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٦٩


الصفحة التالية
Icon