﴿ثُمَّ أَنتُمْ﴾ مبتدأ ﴿هَـاؤُلاءِ﴾ خبر ومناط الإفادة اختلاف الصفات المنزل منزلة اختلاف الذات كما تقول رجعت بغير الوجه الذي خرجت به والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون والناقضون المتناقضون يعني : أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين كأنهم قالوا : كيف نحن فقيل :﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي : الجارين مجرى أنفسكم فهو بيان لقوله :﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَـاؤُلاءِ﴾ ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـارِهِمْ﴾ الضمير للفريق وهو الطائفة ﴿تَظَـاهَرُونَ عَلَيْهِم﴾ بحذف إحدى التاءين حال من فاعل تخرجون أو من مفعوله مبينة لكيفية الإخراج رافعة لتوهم اختصاص الحرمة بالإخراج بطريق الأصالة والاستقلال دون المظاهرة والمعنى تقوون ظهوركم للغلبة عليهم ﴿بِالاثْمِ﴾ حال من فاعل تظاهرون أي : ملتبسين بالإثم وهو الفعل الذي يستحق فاعله الذم واللوم ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ أي : التجاوز في الظلم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٧٤
ودلت الآية على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه كذا في "التفسير الكبير".
﴿وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـارَى﴾ أي : جاؤوكم حال كونهم مأسورين أي : ظهروا لكم على هذه الحالة ولم يرد به الإتيان الاختياري والأسارى والأسرى جمع أسير وهو من يؤخذ قهراً فعيل بمعنى المفعول من الأسر بمعنى الشد والإيثاق والفرق أنهم إذا قيدوا فهم أسارى وإذا حصلوا في اليد من غير
١٧٤
قيد فهم أسرى.
﴿تُفَـادُوهُمْ﴾ أي : تخرجوهم من الأسر بإعطاء الفداء والمفاداة تجري بين الفادي وبين قابل الفداء ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ أي : الشان ﴿مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ محرم فيه ضمير قائم مقام الفاعل وقع خبراً عن إخراجهم والجملة خبر لضمير الشان وذلك أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه وأعتقوه وكان قريظة والنضير من اليهود أخوين وكذا الأوس والخزرج وهم أهل شرك يعبدون الأصنام ولا يعرفون القيامة والجنة والنار والحلال والحرام فافترقوا في حرب شمر ووقعت بينهم عَداوة فكانت بنو قريظة معينة للأوس وحلفاءهم أي : ناصريهم والنضير معينة للخزرج وحلفاءهم فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قريظة مع الأوس والنضير مع الخزرج يظاهر كل قوم حلفاءهم على إخوانهم حتى يتسافكوا الدماء وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها وبأيديهم التوراة يعرفون ما فيها مما عليهم ومالهم فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدى قريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم وافتدى النضير ما كان في أيدي الأوس منهم من الأسارى فعيرتهم العرب بذلك وقالوا كيف تقاتلونهم وتفدونهم فقالوا : أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم قالوا : فلم تقاتلونهم قالوا : إنا نستحيي أن يستذل حلفاؤنا فذمهم على المناقضة وتلخيصه أعرضتم عن الكل إلا الفداء لأن الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة عليهم مع أعداهم وفداء أساراهم فأعرضوا عن الكل إلا الفداء ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَـابِ﴾ وهو الفداء والهمزة للإنكار التوبيخي والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام أي : أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٧٤
هو حرمة القتال والإخراج مع أن قضية الإيمان ببعضه الإيمان بالباقي لكون الكل من عند الله داخلاً في الميثاق فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع إيمانهم بالبعض ﴿فَمَا جَزَآءُ﴾ نفي أي : ليس جزاء ﴿مَن يَفْعَلُ ذَالِكَ﴾ أي : الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان بالبعض ﴿مِّنكُم﴾ يا معشر اليهود حال من فاعل يفعل ﴿إِلا خِزْىٌ﴾ استثناء مفرغ وقع خبراً للمبتدأ أي : ذل وهو أن مع الفضيحة وهو قتل بني قريضة وأسرهم، وإجلاء بني النضير إلى أذرعات وأريحا من الشام وقيل هو أخذ الجزية ﴿فِي الْحَيَواةِ الدُّنْيَا﴾ صفة خزي ولعل بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع أطماعهم الفارغة من ثمرات إيمانهم ببعض الكتاب وإظهار أنه لا أثر له أصلاً مع الكفر بالبعض ﴿وَيَوْمَ الْقِيَـامَةِ﴾ يوم تقام فيه الأجزية ﴿يُرَدُّونَ﴾ أي : يرجعون والرد الرجع بعد الأخذ ﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ هو التعذيب في جهنم وهو أشد من خزيهم في الدنيا وأشد من كل عذاب كان قبله فإنه ينقطع وهذا لا ينقطع وفي الحديث "فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة" وإنما كان أشد لما أن معصيتهم كانت أشد المعاصي، وفي "المثنوي" :
هر كه ظالم تر هش باهول تر
عدل فرموده است بدتررا بتر
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَـافِلٍ﴾ بساه ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من القبائح التي من جملتها هذا المنكر أي : لا يخفى عليه شيء من أعمالهم فيجازيهم بها يوم البعث تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة
١٧٥
عظيمة على الطاعة لأن الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق إلى مستحقيها.