والثالث : ما يتولد من النفس كالبنين والبنات وإليه الإشارة بقوله عليه السلام :"أو ولد صالح يدعو له" قيد عليه الصلاة والسلام بالصالح لأن الأجر لا يحصل من غيره.
وأما الوزر فلا يلحق بالأب من سيئة ولده إذا كانت نيته في تحصيله الخير وإنما ذكر الدعاء له تحريضاً للولد على الدعاء لأبيه لا لأنه قيد لأن الأجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملاً صالحاً سواء دعا لأبيه أم لا كمن غرس شجرة يحصل له من أكل ثمرتها ثواب سواء دعا له من أكلها أم لم يدع وكذلك الأم.
فإن قلت : ما التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله عليه السلام :"من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرا وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" وقوله عليه السلام :"من مات يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة".
قلنا السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به ومعنى حديث المرابط أن ثواب عمله الذي قدمه في حياته
٢٠٥
ينمو له إلى يوم القيامة.
أما الثلاث المذكورة في الحديث فإنها أعمال تحدث بعد وفاته لا تنقطع عنه لأنه سبب لها فيلحقه منها ثواب.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٠٤
والرابع : ما يتولد من الروح وهي الأولاد المعنوية التي تولدت من التربية كأولاد المشايخ الكاملين من الصوفية المتشرعين المحققين وهذا القسم يمكن أن يندرج فيما قبله فافهم.
﴿وَقَالُوا﴾ نزلت في وفد نجران وكانوا نصارى اجتمعوا في مجلس رسول الله عليه السلام مع اليهود فكذب بعضهم بعضاً فقالت اليهود لبني نجران لن يدخل الجنة إلا اليهود وقال بنو نجران لليهود لن يدخلها إلا النصارى فقال الله : قال أهل الكتاب من اليهود والنصارى ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـارَى﴾ لم يقل كانوا حملاً للاسم على لفظ من وجمع الخبر حملاً على معناه.
والهود جمع هائد أي : تائب نحو إنا هدنا إليك وكأنه كان في الأصل اسم مدح لمن تاب منهم من عبادة العجل ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازماً لجماعتهم كالعلم لهم.
والنصارى جمع نصران كسكران ﴿تِلْكَ﴾ أي : ما قالوا بأن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾ أي : شهواتهم الفاسدة التي تمنوها على الله بغير الحق لا حقيقة لها جمع أمنية وهي ما يتمنى أفعولة كالأعجوبة.
والتمني التشهي والعرب تسمى الكلام العاري عن الحجة تمنياً وغروراً وضلالاً وأحلاماً مجازاً وجمع الأماني باعتبار صدورها عن الجميع من اليهود والنصارى ثم أومأ الله إلى بطلان أقوالهم بقوله لنبيه عليه السلام ﴿قُلْ هَاتُوا﴾ أصله أتوا قلبت الهمزة هاء وهو أمر تعجبي أي : احضروا ﴿بُرْهَـانَكُمْ﴾ حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ولم يقل براهينكم لأن الدعوى كانت واحدة وهي نفي دخول غيرهم الجنة والحجة على تلك الدعوى واحدة ﴿إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ﴾ في دعواكم فإن كل قول لا دليل عليه غير ثابت.
﴿بَلَى﴾.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٠٤
اعلم أن قولهم لن يدخل الجنة إلخ مشتمل على إيجاب ونفي أما الإيجاب فهو أن يدخل الجنة اليهود والنصارى وأما النفي فهو أن لا يدخل الجنة غيرهم فقوله بلى إثبات لما نفوه في كلامهم فكأنهم قالوا لا يدخل الجنة غيرنا فأجيبوا بقوله بلى يدخل الجنة غيركم وليس الأمر كما تزعمون ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي : أخلص نفسه له تعالى لا يشرك به شيئاً فإن إسلام شيء لشيء جعله سالماً له بأن لا يكون لأحد حق فيه لا من حيث التخليق والمالكية ولا من حيث استحقاق العبادة والتعظيم عبر عنها بالوجه لكونه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل فهو مجاز من باب ذكر الجزء وإرادة الكل ومنه قولهم كرم الله وجهه ويحتمل أن يكون إخلاص الوجه كناية عن إخلاص الذات لأن من جاد بوجهه لا يبخل بشيء من جوارحه ويكون بمعنى العضو المخصوص ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حال من ضمير أسلم أي : وهو مع إخلاصه وتسليم النفس إلى الله بالكلية بالخضوع والانقياد محسن في جميع أعمالهم بأن يعملها على وجهة يستصوبها فإن إخلاصهالا يستلزم كونها مستحسنة بحسب الشرع وحقيقة الإحسان والإتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه الوصفي التابع لحسنه الذاتي وقد فسره صلى الله عليه وسلّم بقوله :"أن تعبد الله كأنك تراه وإن لم تكن تراه فإنه يراك" وهذا المعنى حقيقة الإيمان وظاهره الإحسان وأما باطنه فمرتبة كنت سمعه وبصره التي هي نتيجة قرب النوافل وهو كون ذات الحق ووجوده مرآة لصفات
٢٠٦


الصفحة التالية
Icon