فمجرد النسخة لا يفيد بدون العمل بما فيها والتحقق بحقائقها وهذا كما أن تاجراً إذا وصل له كتاب من عبده المأذون في التجارة إني اشتريت كذا وكذا وأخبر سيده بما وقع تفصيلاً فبمجرد هذا الكتاب لا يقدر السيد أن يتجر بدون أن يصل إليه ما اشتراه العبد من السلعة فلو أدخل جماعة من المشترين في داره ليبيع متاعه لا يجد إلا خجالة لأن المحل الذي يعرض السلعة فيه على المشترين لا يفيده مجرد النسخة وقراءتها.
قال في "المثنوي" :
مرغ بر بالا ران وسايه اش
مي دود بر خاك ران مرغ وش
ابلهي صياد آن سايه شود
مي دود ندانكه بي مايه شود
بي خبر كان عكس آن مرغ هواست
بي خبر كه أصل آن سايه كجاست
تير اندازد بسوى سايه او
تركشش خالي شود ازجست وجو
تركش عمرش تهي شد عمر رفت
از دويدن درشكار سايه تفت
سايه يزدان وباشد دايه اش
وارهاند ازخيال وسايه اش
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٠٧
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ سبب النزول أن ططيوس الرومي ملك النصارى وأصحابه غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم وأحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير ولم يزل خراباً حتى بناه أهل الإسلام في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك لما استولى عمر رضي الله عنه على ولاية كسرى وغنم أموالهم عمّر بها بيت المقدس ثم صار في أيدي النصارى من الإفرنج أكثر من مائة سنة حتى فتحه واستخلصه الملك الناصر صلاح الدين من آل أيوب سنة خمسمائة وخمس وثمانين بعد الهجرة ومن في الأصل كلمة استفهام وهي ههنا بمعنى النفي أي لا أحد أظلم ﴿مِمَّن مَّنَعَ مَسَـاجِدَ اللَّهِ﴾ المراد بيت المقدس وصيغة الجمع لكون حكم الآية عاماً لكل من فعل ذلك في أي : مسجد كان كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً ومن أظلم ممن آذى الصالحين لأنه لا عبرة لخصوص السبب ﴿أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ثاني مفعولي منع فإنه يقتضي ممنوعاً وممنوعاً عنه فتارة يتعدى إليهما بنفسه كما في قولك منعته الأمر وتارة يتعدى إلى الأول بنفسه وإلى الثاني بحرف الجر وهو كلمة عن أو من مذكورة كانت كما في قولك منعته من الأمر أو محذوفة كما في الآية أي :
٢٠٨
من أن يسبح ويقدس ويصلي له فيها ﴿وَسَعَى﴾ أي : عمل ﴿فِى خَرَابِهَآ﴾ بالهدم والخراب اسم للتخريب كالسلام اسم للتسليم وأصله الثلم والتفريق ﴿أُوالَـائِكَ﴾ المانعون ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلا خَآئِفِينَ﴾ أي : ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع فضلاً عن الاجتراء على تخريبها ﴿لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾ أي : خزي فظيع لا يوصف كالقتل والسبي في حق أهل الحرب والإذلال بضرب الجزية في حق أهل الذمة أو هو فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٠٨
﴿وَلَهُمْ فِى الاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذاب النار الذي لا ينقطع لما أن سببه أيضاً وهو ما حكي من ظلمهم كذلك في العظم وقيل : نزلت الآية في مشركي العرب الذي منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن الدعاء إلى الله تعالى بمكة وألجؤوه إلى الهجرة فصاروا بذلك مانعين له عليه السلام ولأصحابه أن يذكروا الله إلى المسجد الحرام وأيضاً أنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية وهي السنة السادسة من الهجرة، والحديبية : موضع على طريق مكة فعلى هذا يكون المسجد الذي نزلت الآية فيه المسجد الحرام فالمراد بالخراب في قوله وسعى في خرابها تعطيلهم المسجد الحرام عن الذكر والعبادة دون تخريبه وهدمه حقيقة وجعل تعطيل المسجد عنهما تخريباً له لأن المقصود من بنائه إنما هو الذكر والعبادة فيه فما دام لم يترتب عليه هذا المقصود من بنائه صار كأنه هدم وخرب أو لم يبن من أصله فإن عمارة المسجد كما تكون ببنائه وإصلاحه تكون أيضاً بحضوره ولزومه يقال فلان يعمر مسجد فلان إذا كان يحضره ويلزمه ويقال لسكان السموات من الملائكة عمارها قال النبي صلى الله عليه وسلّم "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان" وذلك لقوله تعالى :﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ (التوبة : ١٨) فجعل حضور المساجد عمارة لها.
قال علي رضي الله عنه ست من المروءة : ثلاث في الحضر وثلاث في السفر.
فأما اللاتي في الحضر : فتلاوة كتاب الله تعالى وعمارة مسجد الله واتخاذ الإخوان في الله.
وأما اللاتي في السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير معاصي الله.