ـ روي ـ أنه عليه السلام كان يصلي بمكة مع أصحابه إلى الكعبة فلما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود فصلى نحوه ستة عشر شهراً وكان يقع في روعه ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأقدم القبلتين وادعى للقرب إلى الإيمان كما قال الله تعالى :﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِا فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَـاهَا﴾ (البقرة : ١٤٤) وذلك في مسجد بني سلمة فصلى الظهر ولما صلى الركعتين نزل قوله تعالى :﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة : ١٤٤) فتحول في الصلاة فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين فلما تحولت القبلة أنكر من أنكر فكان هذا ابتلاء من الله تعالى كما قال تعالى :﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (البقرة : ١٤٣) اللهم اهدنا وسددنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فللمؤمن حقاً أن يعتصم بالله ويدور مع الأمر الإلهي حيث يدور ويتبع الرسل ولا يتبع عقله العاجز وفمه القاصر ويتعلم الأدب من معدن الرسالة حيث لم يسأل تحويل القبلة بل انتظر إلى أمر الله فأكرمه الله بإعطاء مرامه وفضله على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٠٨
اعلم أن الذين شقت عليهم التحويلة طائفتان محجوبتان بالخلق عن الحق :
أما الطائفة الأولى : فقد عرفت أن التحويلة من الكعبة إلى بيت المقدس كانت صورة العروج من مقام المكاشفة أعني مقام القلب إلى مقام المشاهدة أعني مقام الروح فحسبوا التحويلة من بيت المقدس إلى الكعبة بعد أبعد القرب ونزولاً بعد العروج وظنوا ضياع السعي إلى المقام الأشرف والسقوط عن الرتبة فشق عليهم ولم يعلموا أنه صورة الرجوع إلى مقام القلب حالة التمكين للدعوة ومشاهدة الجمع في عين التفصيل والتفصيل في عين الجمع حتى لا يحتجب العبد بالوحدة عن الكثرة ولا بالكثرة عن الوحدة.
وأما الطائفة الثانية : فتقيدوا بصورة عملهم ولم يعرفوا حكمة التحويلة فحسبوا صحة العبادة الثانية دون الأولى فشق عليهم ضياعها على ما توهموا.
وأما الذين سبقت لهم من الله الحسنى فلم يحتجبوا بحجاب واهتدوا إلى ما هو الصواب فوصلوا إلى التوحيد الذاتي المحمدي اللهم اجعلنا من المهتدين واحشرنا مع الأنبياء والمرسلين.
وقال أهل التأويل :﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي : عالم النور والظهور الذي هو جهة النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه وعالم الظلمة والاختفاء الذي هو جهة اليهود وقبلتهم بالحقيقة ظاهره ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ أي أي جهة توجهوا من الظاهر والباطن ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي : ذاته المتجلية بجميع صفاته الجمالية والجلالية إذ بعد الإشراق على قلوبكم بالظهور فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة شهودكم وفنائكم فيه والقروب فيها بتستره وإحجابه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء فأي جهة توجهوا حينئذٍ فثم وجهه ليس إلا هو وحده.
قال الحافظ :
ميان كعبه وبتخانه هي فرقي نيست
بهر طرف كه نظر ميكني برابر اوست
واعلم أن شهود الحق بالخلق وشهود الخلق بالحق من غير احتجاب بأحدهما عن الآخر هو مقام جمع الجمع والبقاء وذلك لا يحصل إلا بالتجلي العيني بعد العلمي.
قال حضرة الشيخ الشهير بافتادة أفندي قدس سره : وإذا أمر بالإرشاد يعود لخدمة الحق ألا يرى أن موسى عليه السلام
٢١٢
لما وصل إلى الطور لاقتباس النار لأهله ﴿نُودِىَ يا مُوسَى * إِنِّى أَنَا رَبُّكَ﴾ (طه : ١١ ـ ١٢) فتجلى الربوبية أولاً ثم قيل :﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ (طه : ١٢) وهما الطبيعة والنفس أمر بتركهما ثم قيل :﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لا إله إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِى﴾ (طه : ١٣ ـ ١٤) فتجلي الألوهية ثم بعدهما تجلي الذات وأمر بإرشاد فرعون فترك أهله هناك ولم يلتفت وجاء إلى فرعون وكان دخوله بمصر في نصف الليل فدق باب فرعون بعصاه امتثالاً لأمر الله تعالى قيل : إنه شابت لحية فرعون في ذلك الوقت بمهابة دقه فقال : أكنت وليداً مر بي عندنا قال موسى : نعم ولذلك دعوتك قبل الكل لسبق حقك على رعاية له فأرادوا قتله فألقى عصاه فصارت ثعباناً مبيناً فبينا عزم على ابتلاعهم فاستأمنوا فأعطاهم الأمان وكان يريد أن يؤمن ولكنه منعه هامان فبعد دعوة فرعون جاء إلى أهله فوجدها قد وضعت الحمل فأحاطتها ذئاب من أطرافها لمحافظتها فلم يقدر أن يمر من هنا مار فانظر إلى قدرة الله تعالى.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٠٨


الصفحة التالية
Icon