﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي مشركو العرب الجاهلون حقيقة أو أهل الكتاب المتجاهلون ونفى عنهم العلم لعدم انتفاعهم بعلمهم لأن المقصود هو العمل.
﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ لولا هنا للتحضيض وحروف التحضيض إذا دخلت على المضي كان معناها التوبيخ واللوم على ترك الفعل بمعنى لم لم يفعله ومعناها في المضارع تحضيض الفاعل على الفعل والطلب له في المضارع بمعنى الأمر والمعنى هلا يكلمنا الله عياناً بأنك رسوله كما يكلم الملائكة بلا واسطة أو يرسل إلينا ملكاً ويكلمنا بواسطة ذلك الملك أنك رسوله كما كلم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على هذا الوجه وهذا القول من الجهلة استكبار يعنون به نحن عظماء كالملائكة والنبيين فلم اختصوا به دوننا.
﴿أَوْ﴾ للتخيير ﴿تَأْتِينَآ ءَايَةٌ﴾ حجة تدل على صدقك وهذا جحود منهم لأن يكون ما أتاهم من القرآن وسائر المعجزات آيات والجحود هو الإنكار مع العلم والعجب أنهم عظموا أنفسهم وهي أحقر الأشياء واستهانوا بآيات الله وهي أعظمها.
﴿كَذَالِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم﴾ من الأمم الماضية ﴿مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ فقال اليهود لموسى عليه السلام : أرِنا الله جهرة ولن نصبر على طعام واحد ونحوه وقال النصارى لعيسى عليه السلام : هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ ونحوه وقوله كذلك قال مع قوله مثل قولهم على تشبيهين تشبيه المقول بالمقول في المؤدى والمحصول وتشبيه القول بالقول في الصدور بلا رؤية بل بمجرد التشهي واتباع الهوى
٢١٥
والاقتراح على سبيل التعنت والعناد لا على سبيل الإرشاد وقصد الجدوى وكاف في كذلك منصوب المحل على أنه مفعول قال وقوله مثل قولهم مفعول مطلق أي : قال كفار الأمم الماضية مثل ذلك القول الذي قالوه قولاً مثل قولهم فيما ذكر فظهر أن أحد التشبيهين لا يغني عن الآخر.
﴿تَشَـابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي : تماثلت قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والقسوة والعناد وهو استئناف على وجه تعليل تشابه مقالتهم بمقالة من قبلهم فإن الألسنة ترجمان القلوب والقلب إن استحكم فيه الكفر والقسوة والعمى والسفه والعناد لا يجري على اللسان إلا ما ينبىء عن التعلل والتباعد عن الإيمان كما قيل :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٥
مرد نهان بود بزير زبان
ون بكويد سخن بدانندش
خوب كويد لبيب كويندش
زشت كويد سيفه خوانندش
﴿قَدْ بَيَّنَّا الايَـاتِ﴾ أي : أنزلناها بينة بأن جعلناها كذلك في أنفسها كما في قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل لا أنا بيناها بعد أن لم تكن بينة ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي : يطلبون اليقين واليقين أبلغ العلم وأوكده بأن يكون جازماً أي : غير محتمل للنقيض وثابتاً أي : غير زائل بالتشكيك وإرادة السبب ولا بعد في نصب الدلائل لطلاب اليقين ليحصلوه بها وإنما حمل على المجاز لأن الموقن بالمعنى المذكور لا يحتاج إلى نصب الدلائل وبيان الآيات فبيان الآيات له طلب لتحصيل الحاصل.
﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَـاكَ﴾ حال كونك ملتبساً ﴿بِالْحَقِّ﴾ مؤيداً به والمراد الحجج والآيات وسميت به لتأديتها إلى الحق ﴿بَشِيرًا﴾ حال كونك مبشراً لمن اتبعك بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي : منذراً ومخوفاً لمن كفر بك وعصاك والمعنى أن شأنك بعد إظهار صدقك في دعوى الرسالة بالدلائل والمعجزات ليس إلا الدعوة والإبلاغ بالتبشير والإنذار لا أن تجبرهم على القبول والإيمان فلا عليك إن أصروا على الكفر والعناد فإن الأحوال أوصاف لذي الحال والأوصاف مقيدة للموصوف ﴿وَلا تُسْـاَلُ عَنْ أَصْحَـابِ الْجَحِيمِ﴾ ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت والجحيم المكان الشديد الحر وقرىء ولا تسأل بفتح التاء وجزم اللام على أنه نهي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه على ما روي أنه عليه السلام قال :"ليت شعري ما فعل أبواي" أي : ما فعل بهما وإلى أي : حال انتهى أمرهما فنزلت.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٥
واعلم أن السلف اختلفوا في أن أبوي النبي صلى الله عليه وسلّم هل ماتا على الكفر أو لا؟ ذهب إلى الثاني جماعة متمسكين بالأدلة على طهارة نسبه عليه الصلاة والسلام من دنس الشرك وشين الكفر وعبادة قريش صنماً وإن كانت مشهورة بين الناس لكن الصواب خلافه لقول إبراهيم عليه السلام ﴿وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصْنَامَ﴾ (إبراهيم : ٣٥) وقوله تعالى في حق إبراهيم ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةَا بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ﴾ وذهب إلى الأول جمع منهم صاحب "التيسير" حيث قال ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين كان يذكر عقوبات الكفار فقام رجل فقال : يا رسول الله أين والدي فقال في النار فحزن الرجل فقال عليه السلام :"إن والديك ووالدي ووالدي إبراهيم في النار" فنزل قوله تعالى :﴿وَلا تُسْـاَلُ عَنْ أَصْحَـابِ الْجَحِيمِ﴾
٢١٦