﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة : ١٢٧) ثم لما فرغ من بناء الكعبة قيل له : أذن في الناس بالحج فقال : كيف أنادي وأنا بين الجبال ولم يحضرني أحد؟ فقال الله : عليك النداء وعليّ البلاغ فصعد أبا قبيس وصعد هذا الحجر وكان قد خبىء في أبي قبيس أيام الطوفان فارتفع هذا الحجر حتى علا كل حجر في الدنيا وجمع الله له الأرض كالسفرة فنادى يا معشر المسلمين إن ربكم بنى لكم بيتاً وأمركم أن تحجوه فأجابه الناس من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات فمن أجابه مرة حج مرة ومن أجابه عشراً حج عشراً وفي الحديث "إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ولولا مماسة أيدي المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب" والمراد منهما الحجر الأسود والحجر الذي قام عليه إبراهيم عند بناء البيت ﴿وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِامَ وَإِسْمَـاعِيلَ﴾ أي : أمرناهما أمراً مؤكداً ووصينا إليهما فإن العهد قد يكون بمعنى الأمر والوصية يقال عهد إليه أي : أمره ووصاه ومنه قوله تعالى :﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ (يس : ٦٠) وإنما سمى إسماعيل لأن إبراهيم كان يدعو إلى الله أن يرزقه ولداً ويقول : اسمع يا إيل وإيل هو الله فلما رزق سماه به ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ﴾ أي : بأن طهراه من الأوثان والأنجاس وما يليق به والمراد احفظاه من أن ينصب حوله شيء منها وأقراه على طهارته كما في قوله تعالى :﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ (البقرة : ٢٥) فإنهن لم يطهرن من نجس بل خلقهن طاهرات كقولك للخياط وسع كم القميص فإنك لا تريد أن تقول أزل ما فيه من الضيق بل المراد اصنعه ابتداء واسع الكم ﴿لِلطَّآئِفِينَ﴾ الزائرين حوله ﴿وَالْعَـاكِفِينَ﴾ المجارين الذين عكفوا عنده أي : أقاموا لا يرجعون وهذا في أهل الحرم والأول في الغرباء القادمين إلى مكة للزيارة والطواف وإن كان لا يختص بهم إلا أن له مزيد اختصاص بهم من حيث أن مجاوزة الميقات لا تصح لهم إلا بالإحرام ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي : المصلين جمع راكع وساجد لأن القيام والركوع والسجود من هيئات المصلي ولتقارب الركوع والسجود ذاتاً وزماناً ترك العاطف بين موصوفيهما والجلوس في المسجد الحرام ناظراً إلى الكعبة من جملة العبادات
٢٢٦
الشريفة المرضية كما قال عليه السلام "إنتعالى في كل يوم عشرين ومائة رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين وأربعين للمصلين وعشرون لللناظرين".
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢٥
واعلم أنه تعالى لماقال :﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ﴾ دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى فيكون حكمها حكمه في التطهير والنظافة وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه سمع صوت رجل في المسجد فقال : ما هذا أما تدري أين أنت وفي الحديث "إن الله أوحى إلي يا أخا المنذرين يا أخا المرسلين انذر قومك أن لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب سليمة وألسنة صادقة وأيدي نقية وفروج طاهرة ولا يدخلوا بيتاً من بيوتي ما دام لأحد عندهم مظلمة فإني ألعنه ما دام قائماً بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" انتهى.
ثم اعلم أن البيت الذي شرفه الله بإضافته إلى نفسه وهو بيت القلب في الحقيقة يأمر الله تعالى بتطهيره من دنس الالتفات إلى ما سواه فإنه منظركما قيل :
دل بدست آوركه حج اكبرست
از هزاران كعبه يك دل بهترست
كعبه بنياد خليل آزرست
دل نظر كاه جليل اكبرست
فلا بد من تصفيته حتى تعكف عنده الأنوار الإلهية والأسرار الرحمانية وتنزل السكينة والوقار فعند وصول العبد إلى هذه الرتبة فقد سجد لربه حقيقة وركع وناجى مع الله بسره.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢٥


الصفحة التالية
Icon