﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي : مخلصين لك فالمراد بالمسلم من يجعل نفسه وذاته خالصاً تعالى بأن يجعل التذلل والتعظيم الواتع منه للسان والأركان والجنان خالصاً له تعالى ولا يعظم معه تعالى غيره ويعتقد بأن ذاته وصفاته وأفعاله خالصة له تعالى خلقاً وملكاً لا مدخل في شيء منها لأحد سواه أو المعنى واجعلنا مستسلمين لك منقادين بالرضى بكل ما قدرت وبترك المنازعة في أحكامك فإن الإسلام إذا وصل باللام الجارة يكون بمعنى الاستسلام والانقياد والرضى بالقضاء.
فإن قلت : لا شك أنهما كانا مخلصين ومستسلمين في زمان صدور هذا الدعاء منهما.
قلت : المراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان أو الثبات عليه فهذا تعليم منهما الناس الدعاء للتثبيت على الإيمان فإنهما لما سألا ذلك مع أمنهما من زواله عنهما فكيف غيرهما مع خوفه وسألا أيضاً الثبات على الانقياد فأجيبا إلى ذلك حتى أسلم إبراهيم للإلقاء في النار وإسماعيل للأمر بالذبح.
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ أي : واجعل بعض ذريتنا جماعة مخلصة لك بالعبادة والطاعة.
وإنما خص الذرية بالدعاء مع أن الأنسب بحال أصحاب الهمم لا سيما الأنبياء أن لا يخصوا ذريتهم بالدعاء لكنهما خصاهم لوجهين الأول كونهما أحق بالشفقة كما في قوله تعالى :﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم : ٦) فدعوا لأولادهما ليكثر ثوابهما بهم وفي الحديث "ما من رجل من المسلمين يخلف من بعده ذرية يعبدون الله تعالى إلا جعل الله له مثل أجورهم ما عبد الله منهم عابد حتى تقوم الساعة" والثاني : أنه وإن كان تخصيصاً صورة إلا أنه تعميم معنى لأن صلاح أولاد الأنبياء سبب وطريق لصلاح العامة فكأنهما قالا وأصلح عامة عبادك بإصلاح بعض ذريتنا وخصا البعض من ذريتهما لما علما أن من ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين وطريق علمها بذلك أمر أن تنصيص الله تعالى بذلك بقوله :﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ﴾ (البقرة : ١٢٤) والاستدلال بأن حكمة الله تعالى تقتضي أن لا يخلو العالم عن أفاضل وأوساط وأرذال فالأفاضل هم أهل الله الذين هم أخلصوا أنفسهمبالإقبال الكلي عليه والأوساط هم أهل الآخرة الذين يجتنبون المنكرات ويواظبون على الطاعات رغبة في نيل المثوبات والأرذال هم أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون جلّ همتهم عمارة الدنيا وتهيئة أسبابها.
وقد قيل عمارة الدنيا بثلاثة أشياء : أحدها الزراعة والغرس، والثاني : الحماية والحرب، والثالث : جلب الأشياء من مصر إلى مصر، ومن أكب على هذه الأشياء ونسي الموت والبعث والحساب وسعى لعمارة الدنيا سعياً بليغاً ودقق في أعمال فكره تدقيقاً عجيباً فهو متوغل في الجهل والحماقة ولهذا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا.
وفي "المثنوي" :
٢٣٣
أين جهان ويران شدى اندرزمان
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٣٣
حرصها بيرون شدى ازمردمان
استن اين عالم اي جان غفلتست
هو شيارى اين جهان را آفتست
هو شيارى زان جهانست ووآن
غالب آيدست كردد اين جهان
هو شيارى آفتاب وحرص يخ
هو شيارى آب واين عالم وسخ
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ جمع منسك بفتح السين وكسرها أي : بصرنا مواضع نسكنا أو عرفنا مقتدراتنا أي : المواضع التي يتعلق بها النسك أي : أفعال الحج نحو المواقيت التي يحرم منها والموضع الذي يوقف فيه بعرفة وموضع الطواف والصفا والمروة وما بينهما من المسعى وموضع رمي الجمار ويحتمل أن يراد بالمناسك ههنا أفعال الحج نفسها لا مواضعها على أن يكون المنسك مصدراً لا اسم مكان ويكون جمعه لاختلاف أنواعه ويكون أرنا بمعنى عرفنا لأن نفس الأفعال لا تدرك بالبصر بل ترى بعين القلب والنسك كل ما يتعبد به إلى الله وشاع في أعمال الحج لكونها أشق الأعمال بحيث لا تتأتى إلا بمزيد سعي واجتهاد ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ﴾ عما فرط منا سهواً من الصغائر ومن ترك الأولى وتجاوز عن ذنوب ذريتنا من الكبائر ولعلهما قالاه هضماً لأنفسهما وإرشاداً لذريتهما فإنهما لما بنيا البيت أرادا أن يسنا للناس ويعرفاهم أن ذلك البيت وما يتبعه من المناسك والمواقف أمكنة التفصي من الذنوب وطلب التوبة من علام الغيوب.
﴿إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب أصل التوبة الرجوع وتوبة الله على العبد قبوله توبته وأن يخلق الانابة والرجوع في قلب المسيء ويزين جوارحه الظاهرة بالطاعات بعدما لوثها بالمعاصي والخطيئات وتواب من صيغ المبالغة أطلق عليه تعالى للمبالغة في صدور الفعل منه وكثرة قبوله توبة المذنبين لكثرة من يتوب إليه.
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾ أي : في جماعة الأمة المسلمة من أولادنا ﴿رَسُولا مِّنْهُمْ﴾ أي : من أنفسهم فإن البعث فيهم لا يستلزم البعث منهم ولم يبعث من ذريتهما غير النبي صلى الله عليه وسلّم فهو الذي أجيب به دعوتهما.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٣٣


الصفحة التالية
Icon