في يمينه ورأيت رجلاً من أمتي قد خفّ ميزانه فجاءته إفراطه فنقلوا ميزانه ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى ورأيت رجلاً من أمتي أهوي في النار فجاءته دموعه التي بكى بها من خشية الله فاستخرجته من النار ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى ورأيت رجلاً من أمتي على الصراط يزحف أحياناً ويحبو أحياناً ويتعلق أحياناً فجاءته صلاته علي فأخذت بيده وأقامته ومضى على الصراط ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة" قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم "من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة" قيل : يا رسول الله وما إخلاصها قال :"أن تحجزه عن محارم الله" فعلم من هذا التفصيل أن الخلاص وإن كان بفضل الله تعالى لكنه منوط بالأعمال الصالحة فالقرابة لا تغني شيئاً إذا فسد العمل وأما قول من قال :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٣٩
إذا طاب أصل المرء طابت فروعه
فباعتبار الغالب فإن من عادته تعالى أن يخرج الحي من الميت والميت من الحي ونعم ما قيل :
أصل را اعتبار ندان نيست
روى تر كل زخار خندان نيست
مي زغوره شود شكر ازنى
عسل ازنحل حاصلت بقي
والعود الذي تفوح رائحته وإن كان في الأصل شجرة كسائر الأشجار إلا أنه لما كان له استعداد لتلك المرتبة وحصل ذلك بالتربية فاق على الأقران وخرج من جنس الأصل وكذا المسك فإن أصله دم وكم من نسيب يعود على أصله بالعكس فيظهر فيه أثر الصلاح الباطن في أبيه إن كان أي : أبوه فاسقاً أو الفساد الباطن فيه إن كان صالحاً وكم من فرع يميل إلى أصله على وجه فانظر حال آدم عليه السلام وولديه هابيل وقابيل ومن بعدهم إلى قيام الساعة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٣٩
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَـارَى﴾ نزلت في رؤوس يهود المدينة وفي نصارى نجران أي : قالت اليهود كونوا هوداً فإن نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب ودينننا أفضل الأديان وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمد والقرآن وقالت النصارى كونوا نصارى فإن نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفروا بموسى والتوراة وبمحمد والقرآن.
﴿تَهْتَدُوا﴾ جواب للأمر أي إن تكونوا كذلك تجدوا الهداية من الضلالة ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم على سبيل الرد وبيان ما هو الحق لا نكون ما تقولون ﴿بَلْ﴾ نكون ﴿مِّلَّةِ إِبْرَاهِامَ﴾ أي : أهل ملته ودينه على حذف المضاف أي : بل نتبع ملته لأن كونوا معناه اتبعوا اليهودية والنصرانية ﴿حَنِيفًا﴾ أي : مائلاً عن كل دين باطل إلى دين الحق ومنحرفاً عن اليهودية والنصرانية وهو حال من المضاف إليه وهو إبراهيم كما في رأيت وجه هند قائمة لأن رؤية وجه هند يستلزم رؤيتها فالحال هنا تبين هيئة المفعول أو من المضاف وهو الملة وتذكير حنيفاً حينئذٍ بتأويل الملة بالدين لأنهما متحدان ذاتاً والتغاير بالاعتبار ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تعريض بهم وإيذان ببطلان دعواهم اتباع إبراهيم مع إشراكهم بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله، وفي الآية إرشاد إلى اتباع دين إبراهيم وهو الدين الذي عليه نبينا عليه السلام وأصحابه وأتباعه.
٢٤١
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤١