﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الصبغ ما يلون به الثياب والصبغ المصدر والصبغة الفعلة التي تبنى للنوع والحالة من صبغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع الصبغ عليها وهي أي : الصبغة في الآية مستعارة لفطرة الله التي فطر الناس عليها شبهت الخلقة السليمة التي يستعد بها العبد للإيمان وسائر أنواع الطاعات بصبغ الثوب من حيث أن كل واحدة منهما حلية لما قامت هي به وزينة له والتقدير صبغنا الله صبغة أي : فطرنا وخلقنا على استعداد قبول الحق والإيمان فطرته فهذا المصدر مفعول مطلق مؤكد لنفسه لأنه مع عامله المقدر بعينه وقع مؤكداً لمضمون الجملة المقدمة وهو قوله : آمنا بالله لا محتمل لها من المصادر إلا ذلك المصدر لأن إيمانهم بالله يحصل بخلق الله إياهم على استعداد اتباع الحق والتحلي بحلية الإيمان ويحتمل أن يكون التقدير طهرنا الله تطهيره لأن الإيمان يطهر النفوس من أوضار الكفر وسماه صبغة للمشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوع ذلك الشيء في صحبة الغير إما بحسب المقال المحقق أو المقدر بأن لا يكون ذلك الغير مذكوراً حقيقة ويكون في حكم المذكور لكونه مدلولاً عليه بقرينة الحال فهي كما تجري بين فعلين كما هنا تجري بين قولين كما في (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) فإنه عبر عن ذات الله تعالى بلفظ النفس لوقوعه في صحبة لفظ النفس وعبر عن لفظ الفطرة بلفظ الصبغة لوقوعه في صحبة صبغة النصارى إذ كانوا يشتغلون بصبغ أولادهم في سابع الولادة مكان الختان للمسلمين بغمسهم في الماء الأصفر الذي يسمونه المعمودية على زعم أن ذلك الغمس وإن لم يكن مذكوراً حقيقة لكنه واقع فعلاً من حيث أنهم يشتغلون به فكان في حكم المذكور بدلالة قرينة الحال عليه من حيث اشتغالهم به ومن حيث أن الآية نزلت رداً لزعمهم ببيان أن التطهير المعتبر هو تطهير الله عباده لا تطهير أولادكم بغمسهم في المعمودية وهي اسم ماء غسل به عيسى عليه السلام فمزجوه بماء آخر وكلما استعملوا منه جعلوا مكانه ماء آخر ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ مبتدأ وخبر والاستفهام في معنى الجحد ﴿مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ نصب على التمييز من أحسن منقول من المبتدأ والتقدير ومن صبغته أحسن من صبغته تعالى فالتفضيل جار بين الصبغتين لا بين فاعليهما والمعنى أي : شخص تكون صبغته أحسن من صبغة الله فإنه يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم به من أوضار الكفر وأنجاس الشرك فلا صبغة أحسن من صبغته ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ أي : الذي أولانا تلك النعمة الجليلة ﴿عَـابِدُونَ﴾ شكراً له ولسائر نعمه وتقدم الظرف للاهتمام ورعاية الفواصل وهو عطف على آمنا داخل تحت الأمر وهو قولوا فإذا كان حرفة العبد العبادة فقد زين نفسه بصبغ حسن يزينه ولا يشينه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٤١
وفي "المثنوي" :
كاورا رنك ازبرون مردرا
ازدرون دان رنك سرخ وزردرا
رنكهاي نيك ازخم صفاست
رنك زشنان ازسياه آب جفاست
٢٤٣
صبغة الله نام آن رنك لطيف
لعنة الله بوى اين رنك كثيف
وفي قوله تعالى :﴿وَنَحْنُ لَه عَـابِدُونَ﴾ إشارة إلى أن العارفين يعبدون ربهم لا لشوق الجنة ولا لخوف النار.
قال الله تعالى في الزبور :"ومن أظلم ممن عبدني لجنة أو نار فلو لم أخلق جنة ولا ناراً لم أكن مستحقاً لأن أعبد".
واعلم أن العابد هو العامل بحق العبودية في مرضاة الله تعالى والعبادة دون العبودية وهي دون العبودة لأن من لم يبخل بروحه فهو صاحب عبودة فالعبادة ببذل الروح فوق العبادة ببذل النفس.
قال سهل بن عبد الله لا يصح التعبد لأحد حتى لا يجزع من أربعة أشياء : من الجوع والعري الفقر والذل.
قال الشيخ أبو العباس رحمه الله : أوقات العبد أربعة لا خامس لها الطاعة والمعصية والنعمة والبلية ولكل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية فمن كان وقته النعمة فسبيله الشكر وهو فرح القلب بالله تعالى ومن كان وقته البلية فسبيله الرضى والصبر فعليك أن تراقب الأوقات إلى أن تصل أعلى الدرجات وغاية الغايات.
وفي "المثنوي" :
كافرم من كر زيان كردست كس
درره ايمان وطاعت يكنفسسرشكسته نيست اين سررا مبند
يك دوروزه جهد كن باقي بخند من تازه كن إيمان نه از كفت زبان
أي هوارا تازه كرده درنهانتاهواتازه است إيمان تازه نيست
كين هواجز قفل آن دروازه نيست


الصفحة التالية
Icon