ديد محكم كرفته دامن خويش
فطوبى لمن دار مع الأمر الإلهي وسلم من الاعتراض وتخلص من الانقباض وفني عن إضافة
٢٥٣
الوجود إلى نفسه وبقي بربه وبكمالاته اللهم اجعلنا من المهديين إلى هذه الرتبة العظمى والكعبة العليا واصرفنا في مسالكنا عن الانحراف إلى شيء من الآخرة والدنيا.
﴿وَلِكُلٍّ﴾ أي : لكل أمة من الأمم أعني المسلمين واليهود والنصارى ﴿وِجْهَةٌ﴾ أي : قبلة وجهة ﴿هُوَ﴾ راجع إلى كل ﴿مُوَلِّيهَا﴾ أي : محول وموجه إلى تلك الجهة وجهه فقبلة كل أمة من أهل الأديان المختلفة مغايرة لقبلة الأمة الأخرى ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي : إلى الخيرات بنزع الجار والمراد جميع أنواع الخيرات من أمر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين والمعنى لكل أمة قبلة يتصلبون في التوجه إليها بحيث لا ينصرفون عنها إلى القبلة الحق وإن أتيتهم بكل آية دالة على أن القبلة هي الكعبة وإذا كان الأمر كذلك فاستبقوا أنتم وبادروا إلى الفعلات الخيرات وهي ما ثبت أنه من الله تعالى ولا تقتفوا أثر المكابرين المستكبرين الذين يتبعون أهواءهم ويلقون الحق وراء ظهورهم فإنهم إنما يستبقون إلى الشر والفساد إذ ليس بعد الحق إلا الضلال.
قال بعض أهل الحقيقة : معناه كل قوم اشتغلوا بغيرنا عنا وأقبلوا على غيرنا فكونوا معاشر العارفين لنا واشتغلوا بنا عن غيرنا فإن مرجعكم إلينا كما قال تعالى :﴿أَيْنَمَا﴾ أي : في أي موضع ﴿تَكُونُوا﴾ أنتم وأعداؤكم ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يحشركم الله إلى المحضر للجزاء ويفصل بين المحق والمبطل فهو وعد لأهل الطاعة ووعيد لأهل المعصية ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على الإماتة والإحياء والجمع.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٥٢
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ أي : من أي مكان وبلد خرجت إليه للسفر ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ عند صلاتك ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ تلقاءه فإن وجوب التوجه إلى الكعبة لا يتغير بالسفر والحضر حالة الاختيار بل الحكم بالأسفار مثله حالة الإقامة بالمدينة ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي هذا المأمور به وهو تحويل القبلة إلى الكعبة ﴿لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي الثابت الموافق للحكمة ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَـافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم بذلك أحسن جزاء فهو وعد للمؤمنين.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٥٤
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ إليه في أسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِا وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾ أيها المؤمنون من أقطار الأرض مقيمين أو مسافرين وصليتم ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ من محالكم ﴿شَطْرَهُ﴾ كرر هذا الحكم وهو التحويل وتولية الوجه شطر المسجد لما أن القبلة لها شأن خطير والنسخ من مظان الشبهة والفتنة وتسويل الشيطان فبالحري أن يؤكد أمرها مرة غب أخرى مع أنه قد ذكر في كل مرة حكمة مستقلة ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ متعلق بقوله فولوا والمعنى أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة واحتجاج العرب بأنه يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته وقوله عليكم في الأصل صفة حجة فلما تقدم عليها امتنع الوصفية لامتناع تقدم الصفة على الموصوف فانتصب على الحالية ﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ استثناء من الناس أي : لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء ولا لأحد من العرب من أهل مكة إلا للمعاندين منهم الذين قالوا : بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم وتسمية هذه الكلمة الشنعاء حجة مع أنها أفحش الأباطيل لأنهم كانوا يسوقونها مساقها ويوردونها موقعها
٢٥٤