ـ يحكى ـ أنه كان شاب حسن الوجه وله أحباب وكانوا في الأكل والشرب والتنعم والتلذذ فنفذت دراهمهم فاجتمعوا يوماً وأجمعوا على أن يقطعوا الطريق فخرجوا إلى طريق وترقبوا القافلة فلم يمر أحد من هذا الطريق إلى ثلاثة أيام ورأى الشاب شيخاً قال له : يا ولدي ليس هذا صنعتك فاستغفر الله تعالى فإن طلبتني فأنا أقرأ القرآن في جامع السيد البخاري ببروسة فاحترق قلب الشاب من تأثير الكلام فقال لرفقائه : لو تبعتم رأي تعالوا نروح إلى بروسة ونتجسس عن بعض التجار فنخرج خلفهم فنأخذ أموالهم فقبلوا قوله فلما جاءوا إلى بروسة قال لهم : تعالوا نصل في جامع السيد البخاري وندع عنده ليحصل مرادنا فلما جاء إلى الجامع ورأى الشيخ هناك يقرأ القرآن سقط على رجله وتاب وبقي عنده سنتين ثم بعد السنتين أرسله هذا
٣١٤
الشيخ إلى حضرة الشيخ اق شمس الدين فرباه وصار كاملاً بعد أن كان مؤمناً ناقصاً قاطع الطريق ولذا ينظر إلى الخاتمة ولكن حسن العاقبة من سبق العناية في البداية اللهم اجعلنا من المهديين آمين يا معين.
واعلم أن الإيمان والتوحيد هو أصل الأصول وهو وإن كان لا يزيد ولا ينقص عند الإمام الأعظم إلا أن نوره يزيد بالطاعات وينقص بالسيآت فينبغي لطالب الحق أن يراعي أحكام الشريعة وآداب الطريقة ليتقوى جانب روحانيته فإن أنوار الطاعات كالأغذية النفيسة للأرواح خصوصاً نور التوحيد والذكر ولذكر الله أكبر وهو العمدة في تصفية الباطن وطهارته.
قال سيد الطائفة الجنيد قدس سره : الأدب أدبان فأدب السر طهارة القلب وأدب العلانية حفظ الجوارح من الذنوب فعليك بترك الشرور والإيمان الكامل بالله الغفور حتى تنال الأجر الموفور والسرور في دار الحضور، قال الصائب :
از زاهدان خشك رسايى طمع مدار
سيل ضعيف وأصل دريا نميشود
فلا بدّ من العشق في طريق الحق ليصل الطالب إلى السر المطلق ومجرد الأمنية منية والسفينة لا تجري على اليبس كما قالت رابعة.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣١٢
﴿يَسْـاَلُكَ أَهْلُ الْكِتَـابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـابًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾ نزلت في أحبار اليهود حين قالوا لرسول الله عليه السلام : إن كنت نبياً صادقاً فائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى عليه السلام وقيل : كتاباً محرراً بخط سماوي على ألواح كما نزلت التوراة ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَالِكَ﴾ جواب شرط مقدر أي إن استكبرت ما سألوه منك واستعظمت فقد سألوا موسى شيئاً أكبر منه وأعظم وهذا السؤال وإن صدر عن أسلافهم لكنهم لما كانوا مقتدين بهم في كل ما يأتون وما يذرون أسند إليهم والمعنى لهم في ذلك عرقاً راسخاً وإن ما اقترحوا عليك ليس بأول جهالتهم ﴿فَقَالُوا﴾ الفاء تفسيرية ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي : أرناه جهرة أي عياناً.
والجهر حقيقة في ظهور الصوت لحاسة السمع ثم استعير لظهور المرئي بحاسة البصر ونصبها على المصدر لأن المعاينة نوع من الرؤية وهم النقباء السبعون الذين كانوا مع موسى عليه السلام عند الجبل حين كلمه الله سألوه أن يروا ربهم رؤية يدركونها بأبصارهم في الدنيا ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّـاعِقَةُ﴾ نار جاءت من السماء فأحرقتهم ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أي بسبب ظلمهم وهو نعنتهم وسؤالهم لما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقاً.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣١٥
وفي "التأويلات النجمية" :﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وما طلبوا الرؤية على موجب التعظيم أو على موجب التصديق ولا حملهم عليها شدة الاشتياق أو ألم الفراق كما كان لموسى عليه السلام حين قال :﴿رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ (الأعراف : ١٤٣) ولعل خرة موسى في جواب ﴿لَن تَرَانِى﴾ كانت من شؤم القوم وما كان لنفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم فما اتعظوا بحال نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره حتى أدركتهم الشقاوة الأزلية ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّـاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ بأن طمعوا في فضيلة وكرامة ما كانوا مستحقيها ومن طبع كافراً ولو يرى الله جهرة فإنه لا يؤمن به ومن طبع مؤمناً عند رشاش النور بإصابته فإنه يؤمن بنبي لم يره وكتاب لم يقرأه بغير معجزة أو بينة كما كان الصديق رضي الله عنه حين قال النبي صلى الله عليه وسلّم له :"بعثت" فقال : صدقت وكما كان حال أويس القرني فإنه لم ير
٣١٥


الصفحة التالية
Icon