﴿لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ﴾ أي لفي تردد والشك كما يطلق على ما لم يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكد بقوله تعالى :﴿مَا لَهُم بِه مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناء منقطع لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم والمعنى لكنهم يتبعون الظن ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ قتلاً ﴿يَقِينَا﴾ كما زعموا بقولهم : إنا قتلنا المسيح فيقيناً نعت مصدر محذوف على أن يكون فعيلاً بمعنى المفعول وهو المتيقين ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ رد وإنكار لقتله وإثبات لرفعه.
قال الحسن البصري أي إلى السماء التي هي محل كرامة الله تعالى ومقر ملائكته ولا يجري فيها حكم أحد سواه فكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعاً إليه تعالى لأنه رفع عن أن يجري عليه حكم العباد ومن هذا القبيل قوله تعالى :﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنا بَيْتِه مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ﴾ (النساء : ١٠٠) وكانت الهجرة إلى المدينة وقوله :﴿إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى﴾ (الصافات : ٩٩) أي : إلى موضع لا يمنعني أحد من عبادة ربي والحكمة في الرفع أنه تعالى أراد به صحبة
٣١٨
الملائكة ليحصل لهم بركته لأنه كلمة الله وروحه كما حصل للملائكة بركة صحبة آدم أبي البشر من تعلم الأسماء والعلم وأن مثل عيسى عند الله كمثل آدم كما ذكر في الآية.
وقيل : رفع إلى السماء لما لم يكن دخوله إلى الوجود الدنيوي من باب الشهوة وخروجه لم يكن من باب المنية بل دخل من باب القدرة وخرج من باب العزة ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يغالب فيما يريده فعزة الله تعالى عبارة عن كمال قدرته فإن رفع عيسى عليه السلام إلى السموات وإن كان متعذراً بالنسبة إلى قدرة البشر لكنه سهل بالنسبة إلى قدرة الله تعالى لا يغلبه عليه أحد ﴿حَكِيمًا﴾ في جميع أفعاله فيدخل فيها تدبير أنه تعالى في أمر عيسى عليه السلام دخولاً أولياً ولما رفع الله عيسى عليه السلام كساه الريش وألبسه النور وقطعه عن شهوات المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش فكان أنسياً ملكياً سماوياً أرضياً.
قال وهب بن منبه بعث عيسى على رأس ثلاثين سنة ورفعه الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين.
فإن قيل : لم لم يرد الله تعالى عيسى إلى الدنيا بعد رفعه إلى السماء.
قيل : أخر رده ليكون علماً للساعة وخاتماً للولاية العامة لأنه ليس بعده ولي يختم الله به الدورة المحمدية تشريفاً لها بختم نبي مرسل يكون على شريعة محمدية يؤمن بها اليهود والنصارى ويجدد الله تعالى به عهد النبوة على الأمة ويخدمه المهدي وأصحاب الكهف ويتزوج ويولد له ويكون في أمة محمد عليه السلام خاتم أوليائه ووارثيه من جهة الولاية.
وأجمع السيوطي في "تفسير الدر المنثور" في سورة الكهف عن ابن شاهين أربعة من الأنبياء أحياء اثنان في السماء عيسى وإدريس وإثنان في الأرض الخضر والياس فأما الخضر فإنه في البحر وأما صاحبه فإنه في البر.
قال الإمام السخاوي رحمه الله حديث "أخي الخضر لو كان حياً لزارني" من كلام بعض السلف ممن أنكر حياة الخضر.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣١٧
واعلم أن الأرواح المهيمة التي من العقل الأول كلها صف واحد حصل من الله ليس بعضها بواسطة بعض وإن كانت الصفوف الباقية من الأرواح بواسطة العقل الأول كما أشار صلى الله عليه وسلّم "أنا أبو الأرواح وأنا من نور الله والمؤمنون فيض نوري" فاقرب الأرواح في الصف الأول إلى الروح الأول والعقل الأول روح عيسوي لهذا السر شاركه بالمعراج الجسماني إلى السماء وقرب عهده بعهده فالروح العيسوي مظهر الاسم الأعظم وفائض من الحضرة الإلهية في مقام الجمع بلا واسطة اسم من الأسماء وروح من الأرواح فهو مظهر الاسم الجامع الإلهي وراثة أولية ونبينا عليه السلام أصالة كذا في "شرح الفصوص".
ثم اعلم أن قوماً قالوا على مريم فرموها بالزنى وآخرين جاوزوا الحد في تعظيمها فقالوا : ابنها ابن الله وكلتا الطائفتين وقعتا في الضلال.
ويقال مريم كانت ولية الله فشقي بها فرقتان أهل الإفراط وأهل التفريط وكذلك كل ولي له تعالى فمنكرهم شقيّ بترك احترامهم وطلب أذيتهم والذين يعتقدون فيهم ما لا يستوجبون يشقون بالزيادة في أعظامهم وعلى هذه الجملة درج الأكثرون من الأكابر كذا في "التأويلات النجمية"، وفي "المثنوي" :
نازنيني تو ولي درحد خويش
الله الله امنه درحد يشجمله عالم زين سبب كمراه شد
كم كسى زابدال حق آكاه شددير بايد تاكى سر آدمي
آشكارا كردد ازيش وكمى
٣١٩
زير ديوار بدن كنجست يا
خانه مارست ومور وازدها
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣١٧


الصفحة التالية
Icon