﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء واحتجاج عليهم بأنه ليس بدعاً من الرسل وإنما شأنه في حقيقة الإرسال وأصل الوحي كشأن سائر مشاهير الأنبياء الذين لا ريب لأحدهم في نبوتهم والوحي والإيحاء كالإعلام في خفاء وسرعة أي أنزلنا جبرائيل عليك يا محمد بهذا القرآن ﴿كَمَآ أَوْحَيْنَآ﴾ أي إيحاء مثل إيحائنا ﴿إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّـانَ مِنا بَعْدِهِ﴾ بدأ بذكر نوح لأنه أبو البشر وأول نبي عذبت أمته لردهم دعوته وقد أهلك الله بدعائه أهل الأرض قيل إن نوحاً عليه السلام عمر ألف سنة لم ينقص له سن ولا قوة ولم يشب له شعر ولم يبالغ أحد من أنبياء في الدعوة ما بالغ ولم يصبر على أذى قومه ما صبر وكان يدعو قومه ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً وكان يضرب من قومه حتى يغمى عليه فإذا أفاق عاد وبلغ وقيل هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة بعد محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ عطف على أوحينا إلى نوح داخل معه في حكم التشبيه أي كما أوحينا إلى إبراهيم ﴿وَإِسْمَـاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطِ﴾ وهم أولاد يعقوب عليه السلام وهم اثنا عشر رجلاً ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَـارُونَ وَسُلَيْمَـانَ﴾ خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تشريفاً لهم وإظهاراً لفضلهم فإن إبراهيم أول أولي العزم منهم وعيسى آخرهم والباقين أشراف الأنبياء ومشاهيرهم
٣٢٢
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٢٢
وقدم ذكر عيسى على من بعده لأن الواو للجمع دون الترتيب فتقدم ذكره في الآية لا يوجب تقديمه في الخلق والإرسال والفائدة في تقديمه في الذكر رد على اليهود لغلوهم في الطعن فيه وفي نسبه فقدمه الله في الذكر لأن ذلك أبلغ في كبت اليهود في تبرئته مما رمى به ونسب إليه ﴿وَءَاتَيْنَا﴾ أي كما آتينا ﴿دَاوُادَ زَبُورًا﴾ فالجملة عطف على أوحينا داخلة في حكمه لأن إيتاء الزبور من باب الإيحاء.
والزبور هو الكتاب مأخوذ من الزبر وهو الكتابة.
قال القرطبي كان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حكم ومواعظ وتحميد وتمجيد وثناء على الله عز وجل وكان داود يبرز إلى البرية ويقرأ الزبور فيقوم معه علماء بنى إسرائيل خلفه ويقوم الناس خلف العلماء ويقوم الجن خلف الناس وتجيىء الدواب التي في الجبال إذا سمعت صوت داود فيقمن بين يديه تعجباً لما يسمعن من صوته ويجيىء الطير حتى يظللن على داود في خلائق لا يحصيهن إلا الله يرفرفن على رأسه وتجيىء السباع حتى تحيط بالدواب والوحش لما يسمعن فلما قارف الذنب وهو تزوج امرأة أوريا من غير انتظار الوحي بجبرائيل ولم يروا ذلك فقيل ذلك أنس الطاعة وهذه وحشة المعصية، وعن أبي موسى الأشعري قال : قال لي رسول الله "لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك لقد أعطيت مزماراً من مزامير آل داود" قال : فقلت أما والله يا رسول الله لو علمت أنك تسمع لحبرته تحبيراً.
وعن أبي عثمان قال : ما سمعت قط بربطا ولا مزماراً ولا عوداً أحسن من صوت أبي موسى وكان يؤمنا في صلاة الغداة فنودّ أنه يقرأ سورة البقرة من حسن صوته، قال السعدي قدس سره :
به ازروي زيباست آواز خوش
كه آن حظ نفس است واين قوت روح
وعند هبوب الناشرات على الحمى
تميل غصون البان لا الحجر الصلد
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٢٢
﴿وَرُسُلا﴾ نصب بمضمر يدل عليه أوحينا معطوف عليه داخل معه في حكم التشبيه كما قيل أي وكما أرسلنا رسلاً ﴿قَدْ قَصَصْنَـاهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي : سميناهم لك ﴿مِّن قَبْلِ﴾ متعلق بقصصنا أي من قبل هذه السورة أو اليوم وعرفناك قصتهم فعرفتهم ﴿وَرُسُلا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي لم نسمهم لك والرسل هم الذين أوحي إليهم بجبريل والأنبياء هم الذين لم يوح إليهم بجبريل وإنما أوحي إليهم بملك آخر أو برؤيا في المنام أو بشيء آخر من الإلهام.
وعن أبي ذرّ رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله كم كانت الأنبياء وكم كان المرسلون قال :"كانت الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرين ألفاً وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر" وفي رواية سئل عن عدد الأنبياء فقال :"مائتا ألف وأربعة وعشرون ألفاً" والأولى أن لا يقتصر على عدد في التسمية لهذه الآية وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن ولا عبرة بالظن في الاعتقاديات ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ عطف على إنا أوحينا إليك عطف القصة على القصة وتأكيد كلم بالمصدر يدل على أنه عليه السلام سمع كلام الله حقيقة لا كما يقوله القدرية من أن الله تعالى خلق كلاماً في محل فسمع موسى ذلك الكلام لأن ذلك لا يكون كلام الله القائم به والأفعال المجازية لا تؤكد بذكر المصادر لا يقال أراد الحائط أن يسقط إرادة.
قال الفراء العرب تسمى ما وصل إلى الإنسان كلاماً
٣٢٣
٣٢٤


الصفحة التالية
Icon