عن جوابه وأنه ليس يحضرني الآن ولله عليّ أن لا أطعم ولا أشرب حتى أؤدي الذي يجب من الحق ـ إن شاء الله تعالى ـ ودخل بيتاً مظلماً وأغلق عليه بابه واندفع في قراءة القرآن حتى بلغ من سورة الجاثية ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ فصاح بأعلى صوته افتحوا الباب فقد وجدت الجواب ففتحوا ودعا الغلام فقرأ عليه الآية بين يدي الرشيد وقال : إن كان قوله وروح منه يوجب أن يكون عيسى بعضاً منه وجب أن يكون ما في السموات وما في الأرض بعضاً منه فانقطع النصراني وأسلم وفرح الرشيد فرحاً شديداً ووصل علي بن الحسين الواقدي المروزي بصلة جيدة فلما عاد علي بن الحسين إلى مرو صنف كتاباً سماه كتاب "النظائر في القرآن" وهو كتاب لا يوازيه كتاب.
قيل : معنى كونه روحاً أنه ذو روح صادر منه تعالى كسائر ذوي الأرواح إلا أنه تعالى أضاف روحه إلى نفسه تشريفاً.
وقيل : المراد بالروح هو الذي نفخ جبرائيل عليه السلام في درع مريم فدخلت تلك النفخة بطنها فحملت بإذن الله من ذلك النفخ سمي النفخ روحاً لأنه كان ريحاً يخرج من الروح وأضاف تعالى نفخة جبريل إلى نفسه حيث قال : وروح منه بناء على أن ذلك النفخ الواقع من جبريل كان بإذن الله تعالى وأمره فهو منه.
وعن أبي بن كعب أنه قال : إن الله تعالى لما أخرج الأرواح من ظهر آدم لأخذ الميثاق عليهم ثم ردهم إلى صلبه أمسك عنده روح عيسى إلى أن أراد خلقه ثم أرسل ذلك الروح إلى مريم فدخل في فيها فكان منه عيسى عليه السلام.
قيل : خلق عيسى عليه السلام من ماء مريم ومن النفخ لا من أحدهما فقط وهو الأصح عند المحققين.
قيل : خرج في ساعة النفخ.
وقيل : بعد المدة الكاملة بعد ثمانية أشهر والأول هو الأصح.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٢٧
وفي "التأويلات النجمية" : إن شرف الروح على الأشياء بأنه أيضاً كعيسى تكون بأمر كن بلا واسطة شيء آخر فلما تكون الروح بأمر كن وتكون عيسى بأمر كن سمي روحاً منه لأن الأمر منه تعالى كما قال :﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ (الإسراء : ٨٥) فكما أن إحياء الأجساد الميتة من شأن الروح إذ ينفخ فيها فكذلك كان عيسى من شأنه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله وكذلك كان ينفخ في الطين فيكون طيراً بإذن الله تعالى.
واعلم أن هذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان وخلق منه أي من الأمر وإنما أظهره الله في عيسى من غير تكلف منه في السعي لاستخراج هذا الجوهر من معدنه لأن روحه لم يركز في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات كأرواحنا فكان جوهره ظاهراً في معدن جسمه غير مخفي ببشرية أب وجوهرنا مخفي في معدن جسمنا ببشرية آبائنا إلى آدم فمن ظهور أنوار جوهر روحه كان الله تعالى يظهر عليه أنواع المعجزات في بدء طفوليته ونحن نحتاج في استخراج الجوهر الروحاني من المعدن الجسماني إلى نقل صفات البشرية المتولدة من بشرية الآباء والأمهات عن معادننا بأوامر أستاذ هذه الصنعة ونواهيه وهو النبي عليه السلام كما قال تعالى :﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَا إِنَّ اللَّهَ﴾ (الحشر : ٧) فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته وإنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته فافهم جداً، وفي "المثنوي" :
عيسى اندر مهد دارد صد نفير
كه جوان نا كشته ما شيخيم وير
٣٢٩
ير ير عقل بايد اي سر
ني سفيدي موي اندر ريش وسرون كرفتي يرهين تسليم شو
همو موسى زير حكم خضر شودست را مسار جز دردست ير
حق شدست آن دست اوراد ستكير
ون بداري دست خود دردست ير
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٢٧