قال في "التأويلات النجمية" عند قوله تعالى :﴿وَلا الملائكة الْمُقَرَّبُونَ﴾ ما ذكرهم للفضيلة على عيسى وإنما ذكرهم لأن بعض الكفار قالوا : الملائكة بنات الله كما قالت النصارى ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قال تعالى :﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الانثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ (النجم : ٢١ ـ ٢٢) بل فضل الله المسيح عليهم بتقديم الذكر لأن المسيح نسب إليه بالبنوة ونسبت الملائكة إليه بالبنتية وللذكر فضيلة وتقدم على الإناث كقوله تعالى :﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الانثَيَيْنِ﴾ (النساء : ١١) فقدم الله الذكر على الإنثني وجعل له سهمين وللأنثى واحداً فكما أن للذكر فضيلة على الأنثى فكذلك للمسيح فضيلة على الملائكة وفضيلته على الملائكة أكبر وأعظم يدل عليه ما صح عن جابر رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال :"لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب كما خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة قال الله تعالى : لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان" وأنا أقول ومن فضيلة عيسى على الملائكة أنه اجتمع فيه ما كان شرفاً لآدم لأنه من ذريته من قبل الأم وما كان شرفاً للملائكة إذ قال له أيضاً كن فكان فقد وجد في عيسى ما لم يوجد في الملائكة ولم يوجد في الملائكة شيء لا يوجد في عيسى فافهم جداً انتهى كلام "التأويلات.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٣١
واعلم أن أعظم الاستنكاف عن عبادة الله تعالى الشرك والإعراض عن توحيده كما أن أصل الأعمال التوحيد والإيمان ثم إن الكبر من أكبر السيآت ولذا ورد في بعض الأحاديث مقابلاً للإيمان قال عليه السلام :"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"، قال السعدي قدس سره :
٣٣٢
ترا شهوت وكبر وحرص وحسد
وخون در ركند ووجان در جسد
كراين دشمنان تقويت يافتند
سر از حكم ورأى توبر تافتند
ـ حكي ـ أن قاضياً جاء إلى أبي يزيد البسطامي ـ رحمه الله ـ يوماً فقال : نحن نعرف ما تعرفه ولكن لا نجد تأثيره فقال أبو يزيد : خذ مقداراً من الجوز وعلق وعاءه في عنقك ثم ناد في البلد كل من يلطمني أدفع له جوزة حتى لا يبقى منه شيء فإذا فعلت ذلك تجد التأثير فاستغفر القاضي فقال أبو يزيد : قد أذنبت لأني أذكر ما يخلصك من كبر نفسك وأنت تستغفر منه، قال السعدي :
كسى راكه ندار در سربود
مندار هركز كه حق بشنود
زعلمش ملال آيداز وعظ تنك
شقايق بباران نرويد زسنك
فعلى العاقل أن يتواضع فإن الرفعة في التواضع وهو من أفضل العبادة.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٣١
يا اأَيُّهَا النَّاسُ} خطاب لعامة المكلفين ﴿قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـانٌ﴾ كائن ﴿مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ﴾ بواسطة النبي عليه السلام :﴿نُورًا مُّبِينًا﴾ عنى بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن أي جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل ولم يبق لكم عذر ولا علة.
والبرهان ما يبرهن به المطلوب وسمي القرآن نوراً لكونه سبباً لوقوع نور الإيمان في القلوب ولأنه تتبين به الأحكام كما تتبين بالنور الأعيان ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ﴾ حسبما يوجبه البرهان الذي أتاهم ﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أي امتنعوا به عن اتباع النفس الأمارة وتسويلات الشيطان ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾ ثواب قدره بإزاء إيمانه وعمله رحمة منه لا قضاء لحق واجب ﴿وَفَضَّلَ﴾ إحسان زائد عليه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الله ﴿صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ هو الإسلام والطاعة في الدنيا وطريق الجنة في الآخرة وهو مفعول ثان ليهدي لأنه يتعدى إلى مفعولين بنفسه كما يتعدى إلى الثاني بإلى يقال هديته الطريق وهديته إلى الطريق ويكون إليه حالاً منه مقدماً عليه ولو أخر عنه كان صفة له والمعنى ويهديهم إلى صراط الإسلام والطاعة في الدنيا وطريق الجنة في العقبى مؤدياً ومنتهياً إليه تعالى.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٣٣


الصفحة التالية
Icon