للفتيا وارتفع امرؤ بفعل يفسره المذكور وقوله :﴿لَيْسَ لَه وَلَدٌ﴾ صفة له أي إن هلك امرؤ غير ذي ولد ذكراً كان أو أنثى ﴿وَلَه أُخْتٌ﴾ عطف على قوله تعالى ليس له ولد أو حال والمراد بالأخت من ليست لأم فقط فإن فرضها السدس فقط ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ أي بالفرض والباقي للعصبة أولها بالرد إن لم يكن له عصبة ﴿وَهُوَ﴾ أي المرء المفروض ﴿يَرِثُهَآ﴾ أي أخته المفروضة إن فرض هلاكها مع بقائه ﴿إِن لَّمْ يَكُن لَّهَآ وَلَدٌ﴾ ذكراً كان أو أنثى فالمراد بإرثه لها إحراز جميع مالها إذ هو المشروط بانتفاء الولد بالكلية لا إرثه لها في الجملة فإنه يتحقق مع وجود بنتها ﴿فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ عطف على الشرطية الأولى أي اثنتين فصاعداً ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ الضمير لمن يرث بالإخوة والتأنيث والتثنية باعتبار المعنى وفائدة الأخبار عنه بثنتين مع دلالة ألف التثنية على الإثنينية التنبيه على أن المعتبر في اختلاف الحكم هو العدد دون الصغر والكبر وغيرهما ﴿وَإِن كَانُوا﴾ أي من يرث بطريق الأخوة ﴿إِخْوَةً﴾ أي مختلطة ﴿رِّجَالا وَنِسَآءً﴾ بدل من إخوة والأصل وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر على المؤنث ﴿فَلِلذَّكَرِ﴾ منهم ﴿مِثْلُ حَظِّ الانثَيَيْنِ﴾ يقسمون التركة على طريقة التعصيب وهذا آخر ما نزل في كتاب الله من الأحكام.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٣٣
ـ روي ـ أن الصديق رضي الله عنه قال في خطبته إن الآية التي أنزلها الله تعالى في سورة النساء في الفرائض أولها في الولد والوالد وثانيها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم والآية التي ختم بها السورة في الأخت لأبوين أو لأب والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي حكم الكلالة أو أحكامه وشرائعه التي من جملتها حكمها ﴿أَن تَضِلُّوا﴾ أي كراهة أن تضلوا في ذلك فهو مفعول لأجله على حذف المضاف وهو أشيع من حذف لا النافية بتقدير لئلا تضلوا ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ﴾ من الأشياء التي من جملتها أحوالكم المتعلقة بمحياكم ومماتكم ﴿عَلِيمُ﴾ مبالغ في العلم فيبين لكم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم.
والإشارة في الآية أن الله تعالى لم يكل بيان قسمة التركات إلى النبي صلى الله عليه وسلّم مع أنه تعالى وكل بيان أركان الإسلام من الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج إليه وأحكام الشريعة وقال :﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَا إِنَّ اللَّهَ﴾ (الحشر : ٧) وولاه بيان القرآن العظيم وقال :﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل : ٤٤) وتولى قسمة التركات بنفسه تعالى كما قال عليه السلام :"إن الله لم يرض بملك مقرب ولا نبي مرسل حتى تولى قسمة التركات وأعطى كل ذي حق حقه ألا فلا وصية لوارث" وإنما لم يوله قسمة التركات لأن الدنيا مزينة للناس والمال محبوب إلى الطباع وجبلت النفس على الشح فلو لم ينص الله تعالى على مقادير الاستحقاق وكان القسم موكولاً إلى النبي عليه السلام لكان الشيطان أوقع في بعض النفوس كراهة النبي عليه الصلاة والسلام لذلك فيكون كفراً لقوله عليه السلام :"لا يكون أحدكم مؤمناً حتى أكون إليه أحب من نفسه وماله وولده والناس أجمعين" كما أوقع في نفوس بعض شبان الأنصار يوم حنين إذ أفاء الله على رسوله أموال هوازن فطفق النبي عليه السلام يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل كل رجل منهم فقالوا : يغفر الله لرسوله يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم
٣٣٥
قال أنس فحدث رسول الله بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم أحداً من غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله فقال : ما حديث بلغني عنكم فقال الأنصار : أما ذووا رأينا فلم يقولوا شيئاً وأما أناس حديثة أسنانهم فقالوا كذا وكذا للذي قالوا فقال النبي صلى الله عليه وسلّم "إنما أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر فأؤلفهم" أو قال : استألفهم أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعوا برسول الله إلى رحالكم فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به قالوا : أجل يا رسول الله قد رضينا فالنبي عليه السلام أزال ما أوقع الشيطان في نفوسهم بهذا اللطائف فلو كان قسم التركات إليه لكان للشيطان مجال إلى آخر الدنيا في أن يوقع الشر في نفوس الأمة ولم يمكن إزالته من النفوس لتعذر الوصول إلى الخلق كلهم في حال الحياة وبعد الوفاة فتولى الله ذلك لأنه بكل شيء عليم ولعباده غفور رحيم :
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٣٣
برو علم يك ذره وشيده نيست
كه نهان ويدا بنزدش يكيست
فروماندكانرا برحمت قريب
تضرع كنا نرا بدعوت مجيب
فحسم الكلمة بما نص على المقادير في الميراث فضلاً منه وقطعاً لمواد الخصومات بين ذوي الأرحام ورحمة على النسوان في التوريث لضفعهن وعجزهن عن الكسب وإظهاراً لتفضيل الذكور عليهن لنقصان عقلهن ودينهن وتبياناً للمؤمنين لئلا يضلوا بظن السوء بالنبي عليه السلام كما قال :﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ﴾ كذا في "التأويلات النجمية" على صاحبها النفحات القدسية والبركات القدسية.
تمت سورة النساء في أواسط جمادى الآخرة من سنة تسع وتسعين بعد الألف ويتلوها سورة المائدة.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٣٣٣